أردوغان والهجمات بالغازات السامة ضد الأكراد

 بقلم : “مانفريد غلويبر”

هل استخدمت قوات أنقرة أسلحة كيميائية محظورة؟

القصف المدفعي التركي على شمال سوريا”عفرين” التي يسيطر عليها الأكراد يجب أن يُوثق, وحتى الآن، فإن التقارير في وسائل الإعلام الموالية للغرب حيال هجمات الغازات السامة المحظورة يُشار بأصبع الإتهام فيها إلى الأسد. وقد رأى النقاد أن الهدف من هذه الحملة تشتيت الانتباه عن الحرب الدولية غير الشرعية لمنظمة حلف شمال الأطلسي في سوريا. الآن، يبدو أن تركيا أصبحت هدفاً لمثل هذه الحملة من جانب الأكراد أو لجأت تركيا بالفعل إلى إستخدام سلاح الغاز الإجرامي , في حين لم تثبت الأدلة على هجمات الغاز السام المنسوبة إلى الرئيس الأسد والتي لم تقُنع النُقاد , والذين بدورهم أشاروا مراراً وتكراراً إلى أنقرة كجاني محتمل.

هل يمكن أن تكون أنقرة شديدة اليأس في معركتها بعفرين لتُعرّض نفسها لخطرٍ كهذا؟ وقد تأكد الهجوم من قبل طبيب في مستشفى عفرين حيث قال :” لقد تلقينا مدنيين يعانون من أعراض تسمم بغاز الكلور, كما تم أخذ عينات من المنطقة لإثبات استخدام الأسلحة الكيميائية، إن مدنيين شاهدوا أن الغازات تسرّبت جرّاء القصف المدفعي من نقطة حدودية تركيّة تسمّى سيسي” ، يقول الطبيب الكردي “كيوان ايفرين” .

إن استخدام الأسلحة المحظورة من قبل أنقرة محتملٌ جداً , لاسيّما وأن قوات أردوغان لم تحقق أي تقدّم عسكري يُذكر بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من بدء عملية غصن الزيتون ضد الأكراد في عفرين, في حين كان هناك شائعات عن وجود تعاون وشيك بين دمشق والحكومة المحلية الكردية في شمال سوريا. الدول الغربية لم تُبدِ اهتماماً يُذكر على الإطلاق حتى الآن   خلافاً لممارساتها المعتادة في حال الاشتباه بوجود أسلحة كيميائية, حيث أن برلين لم تعلّق على الإطلاق حيال هذا الموضوع, في حين أعلنت واشنطن في تصريح لوكالة الأنباء التركية الحكومية ” الأناضول” أن استخدام الغازات السامة من قبل قوات أنقرة “مستبعدٌ جداً”. ولن يكون استخدام هذه الأسلحة من جانب الأطراف المتحاربة المعنية أمراً جديداً.

وقد أتُهمت أنقرة مراراً باستخدام الأسلحة الكيماوية بشكل غير مشروع خلال حربها ضد حزب العمال الكردستاني في العقود الأخيرة, فعلى سبيل المثال ثبت ذلك عام 1999 . وعلاوة عن ذلك فإن تركيا تتعاون في هجومها على عفرين مع مختلف الجهاديين والميليشيات مثل تنظيم الدولة أو هيئة تحرير الشام التي تمتلك أسلحة كيماوية.

تركيا تريد أن تكون من بين (10) قوى رائدة : لقد انتقلت أنقرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى محور الجبهة الشرقية في حلف شمال الأطلسي , وكان عام 2011 بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي نموذجاً يُحتذى به لما جرى في بلدان “الثورة العربية”. هذا كان في السابق, فقد أُصيبت تركيا بخيبة أمل كبيرة جرّاء الوعود الكاذبة بانضمامها إلى الإتحاد الأوروبي والقرار الأمريكي بتسليح وحدات حماية الشعب التي تطاردها تركيا براً وبالتحالف مع داعش, وتحولت إلى قوى المنطقة الشرقية روسيا وإيران. ويطمح أردوغان في الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية تركيا في عام 2023، إلى الإعلان عن تحقيق هدفه المتمثل بأن تصبح تركيا واحدة من أكبر عشر قوى اقتصادية في العالم  ولكن ليس هناك الكثير من الوقت المتبقي. لقد كان الغرض الأصلي من تأجيج الحرب في سوريا هو جلب موالين له إلى السلطة من جماعة الإخوان المسلمين في دمشق، وبالتالي توسيع مجال النفوذ التركي في المنطقة, ولكن بعد سبع سنوات من الحرب، مازال الاقتصاد السوري يقف على الأرض.

وقد تعرضت تركيا أيضاً لنكسات اقتصادية, حيث فُرضت عقوبات اقتصادية روسيّة على تركيا, جرّاء قيام تركيا بإسقاط طائرة مقاتلة روسية في مطلع العام 2015/2016, ممّا ألحق ضرراً بالغاً بالأعمال السياحية والتجارة الخارجية التركيّة  كما كان للانقلاب الفاشل في تموز / يوليو 2016، الذي لا تزال خلفياته ومُنشئيه غير معروفين، الأثر البالغ , في حين وصفه أردوغان بأنه “نعمة من الله ” حيث أُلقي القبض على عشرات الآلاف من المنتقدين الفعليين لسياساته أو فصلهم من الخدمة المدنية, في الأيام والأسابيع التي أعقبت محاولة الانقلاب. وقد تم تجريم حزب الشعب الديمقراطي HDP المعارض, حيث ألقي القبض على العديد من نوابه ورؤساء بلدياته, واستبدلت قيادة الجيش، التي كان هناك العديد منها يوجّه انتقادات إلى مسار الحكومة المناهض لسوريا، وتحت ضغوط الشركات التجارية التركية، وافق أردوغان أخيراً على مهمة جهاز المخابرات الأجنبية التركية، الذي أعاد الاتصال مع موسكو. وحينما وعدت روسيا تركيا ليس فقط بفرض عقوبات جديدة ولكن أيضاً على اتفاقيات جديدة حول إمدادات النفط والأسلحة، وافق أردوغان في النهاية على ذلك. عضوية الناتو أو لا، اشترت تركيا نظام الدفاع الصاروخي الروسي وقدّمت تنازلات على الجبهة السوريّة.

وكانت معركة حلب في ديسمبر 2016 لصالح الجيش السوري وحلفائه (روسيا وإيران وحزب الله) وتمّ سحب المجموعات القتالية التي تدعمها أنقرة إلى إدلب. كما انسحبت القوات التركيّة إلى مدينة جرابلس على الحدود السورية التركية واحتلت في الأشهر التالية، المنطقة الواقعة بين جرابلس، الباب وإعزاز بجنودها / أو بواسطة مقاتلين من المجموعات القتالية الحليفة الخاص بها, وكان الغرض من هذه العملية هو الحد من تأثير قوات الدفاع الشعبية الكردية , والتي تهدف إلى  فتح ممر على طول الحدود السورية التركية كوباني، منبج، إعزاز حتى عفرين. وتريد تركيا الآن استبدال المشروع الكردستاني في شمال غرب سوريا بمساحة 30 كيلومتراً “منطقة عازلة” ورفع الأعلام التركية من عفرين إلى الحدود العراقية, ويمكن بعد ذلك إعادة اللاجئين السوريين إلى “مناطق الحماية” التي ستسيطر عليها تركيا, ووضعها تحت إشراف حكومة مؤقتة يسيطر عليها الإخوان المسلمون. مع وجود “قوات الأمن” على أبواب حلب التي تسيطر عليها الدولة السورية، استمرت التوترات في سوريا لفترة طويلة ,بالنسبة لأنقرة، يمكن أن يكون هذا تعويضاً عن حقيقة أن الإخوان المسلمين في دمشق لم يأتوا إلى السلطة ولا إلى حلب مرة أخرى – كما كان في أيام الإمبراطورية العثمانية.

 المصدر :”Neopresse  ” 

                                                     

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz