من بطرس الأكبر إلى بوتين الأكبر

بقلـم ” نارام ســرجون “

استغرب الكثيرون كيف خرج الرئيس الروسي عن المألوف في خطابه الأخير، فقد كان الخطاب في منتهى الجرأة والتحدي للغرب، بل إن أي خطاب لروسيا الشيوعية لم يصل إلى هذا الحد من الاستعراض للقوة لأنه كان يعتمد على التكتم والسرية .. وخطاب اليوم يعكس بلا شك ثقة كبيرة بالنفس وخروج روسيا من آخر مرحلة من مراحل ربيع البريسترويكا المشؤوم الذي قاده “ميخائيل غورباتشوف” الذي صدّق أن الديمقراطية الغربية هي النموذج الأخلاقي المثالي ويمكننا بكل راحة أن نقول أن خطاب روسيا اليوم هو أقوى خطاب يتحدى أمريكا .

وقد حاول بوتين الانصراف إلى بناء روسيا ولكنه تيقن أن الأمريكيين يريدون رأس روسيا بعد رأس الاتحاد السوفييتي. وكان الطريق إلى ذلك عبر الاستيلاء على ممر أوراسـيا إلى البحر الدافئ المتوسط، ولابدّ بعد استيعاب الهجوم في سورية من إطلاق الهجوم المعاكس. الروس كانوا ينتظرون أن ينصبوا فخاً للأمريكان ولكنهم كانوا بانتظار اللحظة المناسبة  فالأمريكيون بالكاد خرجوا من أعمق أزمة اقتصادية إثر حماقة غزو العرق، ليجدوا أن الصينيين وشركاءهم صاروا يقودون العالم تجارياً، فصناعة السلاح الهجومي لا تنتج اقتصاداً بل تحميه . لا يمكن التغاضي عن فكرة أن توجيه دعوة حارة للأمريكان للدخول في منافسة عسكرية، واستدراجهم مرغمين إلى العودة إلى سباق تسلح ستجذب الأمريكيين بسرعة لأنهم واثقون أنهم الأثرى، ومن ثم سيكثفون جهودهم في هذا السباق لتضطر روسيا بدورها للإنفاق الذي سيقودها إلى إفلاس آخر وانهيار أخير.

والأمريكيون يعرفون جيداً أن الحركة الروسية قد تكون فخاً ولكن لا خيار لهم إلا السير نحو الفخ بأرجلهم بعد كلام بوتين الصريح، الفخ لن يمكن تجنّبه على الإطلاق بسبب أن من يحكم أمريكا هو المجمّع الصناعي العسكري الذي يُملي على الرؤساء ما يراه وإلا تعرّضوا إما للاغتيال الجسدي (كندي) أو الاغتيال السياسي (نيكسون) أو التجميد (كلينتون). وسيجد ترامب ومجموعته أنفسهم أنهم أمام ضغط المجمّع الصناعي العسكري واستجابة لتحدّي بوتين مضطرون للابتعاد عن فكرة إحياء الاقتصاد الأمريكي وإحياء الصناعات المختلفة.

وهذا سيعيد الاقتصاد الأمريكي إلى عصر الإنفاق الهستيري على التسلّح. الروس يدركون أهمية الخطوة التي أقدموا عليها وقد حسبوها بشكل دقيق، فالسلاح الذي أعلنوا عنه هو سلاح رادع  والسلاح الرادع قليل الكلفة لأن غايته هي الردع والعقاب وليس الهجوم ويعني أن قوة أمريكا الهجومية صارت كرتونية ما لم تكن ساحقة التفوق، فماذا ينفع أمريكا إن كان لديها سلاحاً غير قادر على إخافة روسيا التي صمّمت ترسانة دفاعية تجعل من كل السلاح الأمريكي الهجومي خردة لا قيمة لها!!. وما يلفت النظر في خطاب بوتين هو ليس فقط يعلن أنه يتسلح علناً بل انه يتوعّد بالرد على من يتطاول على حلفائه، وهو بذلك يدعم عملية الاستدراج الكامل عندما يبني حلفاً دون أن يحدده عمداً .. فهاجس العدو الشيوعي المُحاط بسوار من الحلفاء يتجدد، وزاد بوتين من عيار الرعب القديم بقوله أنه يتمنى أن يوقف لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي، ولن يحتار الغرب كثيراً في تحديد ملامح حلفاء روسيا الجدد، فبوتين يقاتل في سورية بسلاحه الأحدث والذي أرسل فيه سوخوي 57 الأسطورة الجوية.

ونحن نعلم أن الغرب كان يريد إسقاط بوتين في سورية عبر تحويلها إلى مستنقع دموي للجيش الروسي لتأليب الرأي العام الروسي على بوتين، وكان الغرب ينتظر كل خبر عن ضحيّة روسيّة لتحويلها فوراً للاستثمار في الداخل الروسي، فإذا ببوتين يتحوّل إلى بطل في روسيا والعالم، ويتحوّل إلى حامل للحلم الروسي ولحلم كل من يكره عدوانية الغرب .

لاشك أن هذا الرجل “فلاديمير بوتين” ليس رجلاً عادياً، ولاشك أنه أصعب لغز يواجه الغرب، وأذكى ممّا تخيله الغرب  وهو الرجل الداهية الذي يجب أن يخشاه هذا الغرب، منذ بطرس الأكبر كانت روسيا على موعد مع بطرس آخر أكبر .. وانتظرت حتى وصل .. إنه بوتين الأكبر، اسم لن ينساه العالم .

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz