لمَ يحصل الأمريكيون دائماً على رئيس من شاكلة ماكين كيفما كان تصويتهم في الانتخابات؟

غداة العدوان بصواريخ الكروز على سورية, سرت في الانترنت طرفة تقول: لا يهمّ  لمن يصوت الأمريكيون .. فالرئيس الذي سيحصلون عليه دائماً هو جون ماكين.

أصل هذه الدعابة يستند إلى حقيقة أن آخر ثلاثة رؤساء قد خاضوا الانتخابات  بناءً على وعود بالالتزام بتقليص التدخل الأمريكي في شؤون الدول الأخرى حول العالم, لكن ما إن يصل أحدهم إلى سدّة الرئاسة حتى ينكث بكل هذه الوعود ويعمل على توسيع الالتزامات العسكرية الأمريكية حول العالم, ممّا يجعل كلا منهم عبارة عن نسخة من جون ماكين الذي لا توجد حرب لا يحبّها.

تعهّدات ترامب بتفادي الانخراط واسع النطاق في آسيا والشرق الأوسط وتعهّده بالعمل على تحسين العلاقة مع روسيا أصبحت الآن في طيّ النسيان وغارت في ثقوب الذاكرة. فبدل أن يعمل على تقليص الوجود العسكري في أفغانستان عمل على زيادته.

أما بالنسبة للعلاقة مع موسكو, وباعترافه هو, فقد أصبحت الآن أسوأ بكثير حتى عمّا كانت عليه إبّان الحرب الباردة.

وبخصوص سورية, أكدت سفيرته لدى الأمم المتحدة “نيكي هيلي” أن القوات الأمريكية لن تغادر إلى أي مكان (أي أنها لن تنسحب) لأن هناك أهدافاً معينة ينبغي تحقيقها أولاً.

من بين الأهداف المعلنة التي يذكرونها هي مراقبة التطورات المتعلقة بإيران .. وهذه مهمة مفتوحة زمنياً إذ يمكن أن تمتد إلى ما لانهاية, ممّا يعني ضمناً أنه سيكون من المستحيل سحب القوات في المدى المنظور. ويعني أيضاً أننا سنكون أمام مستنقع آخر شبيه بأفغانستان قيد التشكيل.

يرى جهابذة الخبراء في هذه الصيرورة التي ينتهي بموجبها جميع الرؤساء إلى أن يصبحوا صقوراً على أنها دليل إضافي على الحضور الطاغي للدولة العميقة في تحديد السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

لكـن الدولـة العميقـة في الولايات المتحدة تعمل في العلن إلى حـد كبيـر.

يعـزو الخبراء ذلك أحياناً أخرى إلى ما يسـمونه ” التوافق العام داخل المؤسسة الحاكمة “.

لكن طغيان وجهة نظر المؤسسة الحاكمة على ما بات يصبح وبشكل متزايد “دولة الأمن القومي” يعود بقدر كبير إلى عدم وجود أية قوة ضاغطة تدفع بالاتجاه المعاكس وتعارضه بالقدر الكافي (أي لعدم وجود أي تيار يُعتدّ به يتحدى هذا الطغيان).

الإعلام بكامله يسير معهم ومنقاد لهم انقياداً تاماً. والكونغرس الذي يفترض أن يعمل ككابح لجنوح الرئيس المفترض لخوض الحروب, يستفيد استفادة قصوى من  الموازنات المتضخمة وباقي المنافع المالية المستمدة من التوجه الامبريالي للولايات المتحدة.

موازنة الدفاع ومتعلقاتها تستمر في النمو والتضخم بالرغم من عدم وجود أي خطر حقيقي. أما الرأي العام فتتم السيطرة عليه من خلال الجرعات المكثفة من التخويف التي يلقمه إياها الإعلام والحكومة لإيهامه بوجود أخطار مفتعلة تهدد  الأمن القومي الأمريكي. مزيج الأكاذيب هذا الذي يتم ترويجه من قبل الحكومة والإعلام معاً جعل الأمريكيين في جهل تام عمّا يحصل حقيقة في سورية.

فقبل كل شيء, الولايات المتحدة وحلفاؤها الذين يحتلون حوالي ربع البلد (سورية) متواجدون بطريقة غير شرعية وغير قانونية.

وبموجب القانون الدولي, لا يجوز الاعتداء على بلد ما ولا يجوز احتلاله إلا إذا كان يشكل تهديداً لك أو بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتسويغه.

وفي حال انعدام هذين الشرطين يعتبر الوجود الأمريكي في سورية غير قانوني لأنها لا تشكل تهديداً للولايات المتحدة ولا يوجد قرار صادر عن مجلس الأمن بهذا الخصوص.

 بل أكثر من ذلك, يعتبر هذا بمثابة جريمة حرب, وفق توصيف محاكمات نورنبيرغ التي تلت الحرب العالمية الثانية والتي حكمت بأن جريمة العدوان هي أقصى شكل من أشكال جرائم الحرب لأنها تنطوي على جميع الجرائم التي ارتكبت بسببها.

من هنا يمكن القول أن الولايات المتحدة هي دون شك مجرم حرب لم تتم إدانتها بعد. عدم إدانة الولايات المتحدة بتهم جرائم الحرب وعدم جلبها للعدالة يعود إلى وضعها كقوة سياسية وعسكرية لا يجروء على تحديها سوى قلّة قليلة من الدول. وتحبّذ أغلبية الدول عدم الدخول في نزاع معها.

ويعود السبب أيضاً إلى كونها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي وتستطيع بالتالي أن تسقط بالفيتو أية مسودات قرارات يمكن أن تحاول إدانتها أو انتقادها.

وبالفعل كانت هناك محاولات عدة لاستصدار قرارات إدانة ضد سلوك الولايات المتحدة لكن أياً منها لم يحظَ بالنجاح. لكن هذا لا يعتبر تأكيداً على براءة الولايات المتحدة بقدر ما هو نتيجة لأسلوب السياسات المتبعة في طريقة عمل الأمم المتحدة.

الولايات المتحدة تنتهك القانون الدولي أيضاً لأنها باقية في سورية دون تفويض أو إذن من الحكومة السورية الشرعية المعترف بها .

القوات الإيرانية والروسية متواجدة هناك بدعوة من دمشق. أما الولايات المتحدة فلا..الولايات المتحدة كانت وما تزال تعمل بطريقة غير شرعية على الإطاحة بالحكومة السورية الشرعية, وتتعاون أو بالأصحّ تتواطأ من أجل تحقيق ذلك مع مجموعات ممّن تسمّيهم بالمتمردين, مع أن بعضهم ينتمون عملياً وفعلياً لجماعات مصنّفة دولياً على أنها جماعات إرهابية, أي أنها تخالف بذلك لا القانون الدولي وحسب بل قوانينها هي أيضاً التي تحظّر تقديم المساعدة المادية للإرهاب.

سياسة المؤسسة تعني أن الولايات المتحدة قد أصبحت الآن دولة مارقة تجد توصيفها في نزوعها لشنّ الحروب. الضربات الأمريكية ضد سورية غير قانونية وغير أخلاقية وغير مؤثرة وعديمة الشرف.

كان على الولايات المتحدة لا الآن فقط بل منذ  مدة طويلة أن تسحب قواتها من سورية وتترك السوريين وشأنهم.

  • المصدر: ترجمة إلى العربية من مقال بقلم ” فيليب غيرالدي ”

نشر بتاريخ 19 نيسان 2018 في موقع  ( Strategic Culture Foundation )

 

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz