الــردّ على الازدواجيّــة

بقلــم :” جـيـم جونـز”

ذلك الكيان الإرهابي المسمّى “إسرائيل” الذي يمارس إرهاب الدولة ويتحدّى قرارات الأمم المتحدة علناً وينكّل بالشعب الفلسطيني, ثم يدّعي لنفسه الحق بقصف أيّ كان بينما يحاول أن ينزع حق الرد على اعتداءاته من أي كان, شرع مؤخراً بسلسلة عمليات استفزازية خطيرة في الشرق الأوسط. في التاسع والعشرين من شهر نيسان شنت إسرائيل عدواناً على منطقة تقع في جبل عزان التابع إدارياً لمحافظة حلب السورية مستهدفة ما زعمت أنه مستودع للأسلحة الإيرانية وزعمت أنه من أكبر مستودعات الأسلحة في البلاد لتزعم بعدها أنه كان يُستخدم من قبل مقاتلي حزب الله وميليشيات إيرانية أخرى متواجدة في سورية.

تسببت قوة الضربة بإحداث هزة أرضية تقارب شدتها حوالي 2,6 درجة على مقياس ريختر ويقال أنها قد دمّرت 200 صاروخ وأدت لاستشهاد عدد من مقاتلي حزب الله وبعض المستشارين الإيرانيين.

تتفاوت التقارير حول الخسائر الحقيقية في الأرواح من تقرير إلى آخر, اذ تشير بعض التقارير إلى أن الرقم وصل إلى 30,  لكن لم يتم التأكد من الرقم الفعلي حتى الآن. من المثير للاهتمام أن روسيا وبعد الضربة مباشرة استفسرت من الولايات المتحدة وبطريقة لا تخلو من الاتهام الضمني, حول احتمال ضلوعها بهذا الهجوم.

البنتاغون سارع لنفي مسؤوليته تماماً وجاء النفي علنياً عبر الإعلان الرسمي كما عبر الخط الساخن المفتوح مع القيادة الروسية المتواجدة في سورية.

وجاء بالنفي أن أياً من الطائرات الأمريكية أو أية طائرات أخرى تابعة للتحالف غير المقدّس لم تقم بأية طلعة من هذا النوع.

دائرة الاتهام ضاقت وتحددت بجهتين فقط. الفاعل إما أن يكون السعوديون أو الإسرائيليون. السعوديون لا يملكون الجرأة على القيام بعمل كهذا بمفردهم لأنهم يخشون إثارة غضب الروس.

الفاعل إذاً أصبح مكشوفاً: إنها إسرائيل, بالرغم من أنهم لم يعلقوا بحرف واحد على هذا الهجوم, ولسبب وجيه. فقد أدرك الإسرائيليون أنهم ومن خلال قيامهم بمثل هذا الفعل المخادع قد تجاوزا الحدود أكثر ممّا ينبغي.

ما حدث كان كالتالي: هناك تفاهم غير معلن بين القوات الروسية والأمريكية العاملة في الأجواء الروسية يقصي بأن تكون السيطرة على الأجواء للروس.

وإذا ما أرادت الولايات المتحدة القيام بعملية أو طلعة جوية عليها أن تأخذ إذناً من الروس أو على الأقل أن تعلمهم بذلك وبعدها يقوم الروس بمنحهم الإذن للقيام بذلك بموجب البيان الذي يقدّمونه حول المهمة المعنية.

تمّ تزويد الروس بشفرات الترددات الجوية الأمريكية وهم يعلمون بدقة تامة أية طائرة قد أقلعت وفي أي مكان تواجدت في أي وقت من الأوقات في كامل الأجواء السورية.

وبمقدور شبكة صواريخ الإس 400 التي نصبتها روسيا في سورية أن تتعامل مع أيّ من هذه الطائرات. مبدئياً كان هذا مدعاة لتذمّر جنرال رفيع من قيادة حلف الناتو معتبراً أن روسيا قد نصبت قبة حديدية فوق سورية.

الناتو يعمل في الأجواء السورية بموافقة روسيا. لكن ما الذي فعلته المحتالة إسرائيل… ؟؟

ما فعله المخادعون الإسرائيليون هو أنهم طيّروا واحدة من طائراتهم من طراز إف-16 فوق الأردن ثم عبر أجواء العراق حتى اقتربوا من موقع الايرانيين من جهة منطقة عمليات الأمريكان في شرق سورية.

وفعلوا ذلك مستخدمين شيفرات التردد الأمريكية. الطائرة حلّقت على علو منخفض وبسرعة لحظتها الرادارات الروسية لكن الروس افترضوا أنها مهمّة أو طلعة جوية أمريكية لم يتم التبليغ عنها حسب الأصول.

فأرسلت الاستفسارات عبر القنوات المعتمدة على الفور للتحقق من ملابسات هذا  التسلل.

لكن عندما قامت الطائرة بالارتفاع والتحليق عالياً ثم الانقضاض بشكل مفاجيء, دوّى صوت الإنذار لدى السوريين محذراً من هذه المناورة المشبوهة لهذه الطائرة التي ظنوا أنها أمريكية.

السبب وراء هذا التحليق المفاجيء كان لإعطاء القنابل الموجهة عبر نظام تحديد المواقع الجغرافية ارتفاعاً كافياً لخط انزلاقها الذي يبلغ حوالي 70 كيلومتراً للوصول إلى الهدف.

السوريون, ببساطة, لم يكن لديهم الوقت الكافي للرد. ومن غير المعروف ما إذا كانت لديهم المضادات الجوية المناسبة للتصدّي لمثل هذا النوع من القنابل الموجّهة التي يصعب التقاطها بالرادار نظراً لشارتها الضعيفة وخاصة عندما تكون غير عاملة (أي لا تكون في حالة الانفجار) ففي مثل هذه الحالة لا يصدر عنها أي إشعاع حراري يمكّن الصاروخ من التسديد والتصويب عليها. لهذا كان من البديهي أن توجّه روسيا الاتهام للأمريكيين حول احتمال ضلوعهم بهذا الهجوم.

وهكذا يتضح  أيضاً لماذا سارع الأمريكيون لنفي التهمة. فمثل هذا الهجوم يُعرّض للخطر الاتفاق القائم للمحافظة على ودية الأجواء بين روسيا والولايات المتحدة ويحمل في طياته مخاطر نشوب نزاع  بين القوتين وهذا ما لا تريده أياً منهما.

فما الذي  كان وراء هذا الهجوم؟

حسناً لنتذكر لقاء كلاب الحرب الذي تمّ في إسرائيل في التاسع والعشرين من شهر نيسان بين بومبيو وبنيامين نتنياهو.

هل تذكرون نتنياهو هذا المصاب بهوس الكذب الذي قدّم عرضاً حول ما زعم أنه أسرار تصنيع القنبلة النووية الإيرانية والذي قام قبل عدّة سنوات من الآن بعرض كرتونه رُسم عليها قنبلة وفي أعلاها فتيل يقع قليلاً قبل خط أحمر كُتب عليه أن قدرة إيران على صنع القنبلة قد باتت على أعتاب الدرجة 90 بالمائة من هذا السلم الخرافي.

كان ذلك الاستعراض مدعاة للسخرية. لكنه يعود الآن لتكرار الأكذوبة على المسرح العالمي من خلال عرض مسرحي حاول من خلاله إقناع العالم بأن الدم يسيل من الحجرة وأن لدى إيران بالفعل القدرات النووية لتصنيع القنبلة.

اسألوا نتنياهو إن كان لدى إسرائيل قنبلة وسترون تلَوُن وجهه مثل الحرباء. ما من أحد آخر يمكن أن يملك القنبلة سوى إسرائيل, لكن إسرائيل تحتفظ لنفسها بهذا الحق.

والأخطر من ذلك أنها حصلت على القنبلة ولم تفرض عليها أية عقوبات دولية  لا تقلقوا, الولايات المتحدة تعرف بالأمر لكنها تتجاهل الموضوع.

أنا مقتنع أن بومبيو أعطى نتنياهو الضوء الأخضر للقيام بهذه الضربة مستخدماً الكود الأمريكي (شيفرة التردد الأمريكية) كلا هذين الرجلين سـاديّ وكلاهما من دعاة الحروب وكلاهما لديه الهوس بضرب وتدمير إيران.

بالنسبة لإسرائيل, يعتبر تدمير إيران جزءاً من مخططهم لإقامة إسرائيل الكبرى, حيث يسعون لخلق الفوضى ونشر الدمار في الشرق الأوسط وإلحاق عذابات لا توصف للناس وتدمير الدول ذات السيادة حتى لا تتمكن من المحافظة على كياناتها كدول قوية وقابلة للحياة والاستمرار إلى أن تصبح هشّة بما يكفي بالنسبة لإسرائيل كي لا تعود تراها “خطراً” عليها.

ولتحقيق هذا الهدف وظفت إسرائيل مواردها في الولايات المتحدة عبر رابطة معاداة السامية التي ضللت الأمريكيين البسطاء وجعلتهم في شك من أمرهم حول كتابهم المقدّس إذا يظنون حقاً أن  اليهود هم شعب الله المختار, وأنهم  كمسيحيين يحبون الله عليهم أن يساعدوا  اليهود في أي شيء يفعلونه.

قلّة منهم يدركون أن لا علاقة لليهود بالعبرانيين المذكورين بالنصوص الدينية. لكن هذه قصة أخرى.

الولايات المتحدة, من منظورها تريد أن تحطم التحالف الصاعد والمتنامي بين روسيا والصين وإيران والذي يمكن أن تنضمّ له تركيا أيضاً.

هذا التحالف قوي لدرجة أنه من الصعب مواجهته وجهاً لوجه, لذا فضرب الحلقة الأضعف عبر  الوكلاء  يناسبهم لأن هذا يُمَكّن الولايات المتحدة في هذه الحالة أن تتصرف مثل زوجة القيصر وتزعم أنهم أبيض من البياض ذاته.

الهدف هو تحطيم إيران وكسرها ثم الانتقال إلى الآخرين وربما ستكون روسيا هي الهدف التالي حيث تلتف أفعى الأناكوندا حولها لمحاصرتها. لكن من الصعب عليهم كسر روسيا. لكن ما يهم هنا الآن هو أن اسرائيل والولايات المتحدة تفعلان كل ما بوسعهما  لتدمير إيران.

لاحظت اليوم أمراً يحدث في الشرق الأوسط قد يكون على صلة وثيقة بهذه اللعبة الجيوسياسة في المنطقة. حزب الله فاز بالانتخابات اللبنانية. لم يمضِ وقت طويل بعد على استدعاء السعودية لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى المملكة.

وما كادت طائرته تهبط على أرض المطار يوم الجمعة في الثالث من شهر تشرين الثاني عام 2017 حتى كانت هناك مفاجأة من العيار الثقيل بانتظاره.

انتشرت لافتات في شوارع لبنان تحمل صورة سعد الحريري كتبت عليها عبارة: سعد الحريري استقال من منصبه.

كان هذا خيانة للشعب اللبناني وهذا ما تذكره الناخبون عند الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات. التحالف المسيحي أعطى أصواته إما لحزب الله أو للأحزاب المتعاطفة معها. حزب الله فاز بالانتخابات.

تواجه إسرائيل اليوم وضعاً أكثر تعقيداً من ذي قبل. حزب الله الذي طرد الإسرائيليين الغزاة أصبح أكثر قوة وأفضل تدريباً فقد اكتسب المزيد من الخبرات القتالية من خلال مشاركته في الحرب في سورية وأكثر تجهيزاً بعد ما زوّدته إيران من عدّة وعتاد. فأية قوة تظنه أصبحها الآن. أية مزاعم حول اتهام حزب الله بأنه منظمة إرهابية ليس سوى دعاية غربية صهيونية.  إسرائيل هي أكبر دولة إرهابية في العالم كله تقريباً.

لكن كونهم يسيطرون على الإعلام الغربي المهيمن فلا أحد يتحدث عن أفعالهم. ومن يريدون وصمه بالإرهاب يسوقه لهم الإعلام على أنه كذلك. إذا هاجمت إسرائيل إيران ستجد حزب لله على حدودها الشمالية وقد يُحظى الحزب بدعم الجيش اللبناني, ربما.. هذا مجرّد احتمال وتساؤل.. لكن في جميع الأحوال ستكون حرباً على جبهتين.. وربما تنضمّ سورية للحرب أيضاً. هل يمكن لإسرائيل المقامرة بذلك؟

هتلر نفسه ما كان ليرغب بخوض حرب على جبهتين. آخر مرة حدث مثل هذا لإسرائيل وكانت على وشك الهزيمة فاستنجدت بالولايات المتحدة وطلبت منها العون وهددت باستخدام القنبلة الذرية. فقامت الولايات المتحدة بترتيب الأمر مع روسيا حيث قامت روسيا بتهدئة الجانب المصري وطلبت من مصر إيقاف تقدّم جيشها في النقطة الأضعف والأقل مواءمة للجيش المصري على سفوح الجبال ممّا مكّن الإسرائيليين من شنّ هجوم مضاد. بهذه الطريقة تجنبت روسيا والولايات المتحدة مواجهة نووية.

راقبوا كيف ستقفل الأجواء اللبنانية أمام حركة الطائرات الإسرائيلية إما من خلال  صواريخ الاس-300 العاملة في سورية أو من خلال حصول لبنان على أنظمة دفاع جوي متطورة تزوده بها روسيا.

ما هو الرهان الآن أن حزب الله لن يفتح قنوات اتصال مع روسيا ويسمح لروسيا باستخدام ميناء أو مطار أو كلاهما على أساس  تواجد ودّي في لبنان. مثل هذا التطور لو حدث سيعطي روسيا خطوة أخرى تقربها من غاز ليفياثان البحري الهائل للغاز قبالة الشواطيء اللبنانية.

حقل الغاز هذا الذي تدّعي إسرائيل ملكيتها له بينما يفنّد لبنان هذه المزاعم ويؤكد حق لبنان في ملكيته. حقل الغاز الهائل هذا يشكل تهديداً محتملاً لاحتكار روسيا لواردات الغاز في أوروبا.

وجود روسيا في هذه المنطقة قد يكون عامل تهدئة وقد يجعلها اللاعب الرئيسي في تحديد مآل حقل ليفياثان للغاز كما سيلجم أي تحرك محتمل من قبل  مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية هاري ترومان.

حاملة الطائرات هذه تحركت باتجاه مياه المتوسط وقد تكون على أهبة الاستعداد لضرب سورية دعماً لمطامع إسرائيل في حقل الغاز هذا.

تأسيس قاعدة في لبنان في ظلّ وجود حكومة صديقة قد تكون حركة “كش ملك” تلعبها روسيا في المنطقة وتضع من خلالها  كامل حقل الغاز تحت اليد الروسية التي تحميها صواريخها. فهل ستفعل روسيا ذلك؟؟

حسناً, أعتقد أن ذلك سيتوقف إلى حد كبير على مدى الاستفزازات الصهيوينة. لكني واثق أن إقامة أواصر علاقة صداقة وثيقة بين حزب الله وروسيا سيكون بمثابة كابوس لإسرائيل. لكن ما عليهم أن يلوموا إلا أنفسهم.

  • المصدر: مقال رأي نشره موقع برافدا باللغة الانجليزية في صفحة الآراء التي قد لا تتفق بالضرورة مع التوجه العام للموقع وتمّت ترجمته إلى العربية لموقع الحقائق السورية

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz