سـورية تضـع قواعـد جديدة للاشـتباك

عندما ألغى ترامب الاتفاقية الموقعة مع إيران بخصوص الملف النووي, كان في الواقع يعطي إسرائيل الفرصة لبدء حرب أوسع وأشمل مع سورية. وهذا ما كانت بعض الأوساط الإسرائيلية قد توقعته سابقاً لدى إجرائها محاكاة افتراضية للسيناريوهات المحتملة.

الأوساط الإسرائيلية كانت تعلّق الكثير من الآمال على إمكانية الاستفادة من الأزمة التي خلقتها الإدارة الأمريكية بخصوص الملف النووي الإيراني واحتمالات استغلالها لخدمة أجنداتهم . إذ كانوا يحلمون بإمكانية التخلص من برنامج إيران للصواريخ الباليستية وإنهاء الوجود الإيراني في سورية.

قادة الكيان يزعمون أن الدعم الإيراني لسورية يشكل تهديداً لهم. لكن هذه المزاعم فارغة. ورئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو  يكرر مزاعمه حول الخطر الإيراني لتشتيت الأنظار بعيداً عن قضايا الفساد التي تلاحقه شخصياً.

على مدى السنوات الماضية, أقدمت إسرائيل على مهاجمة مواقع للجيش العربي السوري حوالي مائة مرة. وفي معظم هذه الحالات كان كيان الاحتلال يتدخل  لدعم المسلحين المرتبطين بالقاعدة المنضوين تحت ألوية ما يسمّى بـ”المتمردين المعتدلين”.

سورية لم تردّ على هذه الاعتداءات لأنها كانت منشغلة بقتال الغزو التكفيري داخل أراضيها. لكن إسرائيل صعّدت من عدوانها في شهر نيسان الماضي وشنّت عدواناً على مطار الـ (T4) وسـط سورية وهو المطار الذي تنطلق منه القوات السورية وحلفاؤها للقتال ضد داعش. أدّى العدوان إلى استشهاد عدد من الجنود الإيرانيين.

وتمكّنت سورية من إسقاط  طائرة مهاجمة واحدة على الأقل من طراز إف-16من بين الطائرات المغيرة. اعتقد كثيرون أن إسقاط طائرة الإف -16 قد  أسس لميزان قوى جديد .. لكن إسرائيل أمعنت في اعتداءاتها وفي عملياتها الاستفزازية.

يوم الثلاثاء وما إن أعلن ترامب انسحابه من الاتفاقية مع إيران حتى قامت إسرائيل بشنّ غارة جوية جديدة على ما زعمت أنه مراصد صواريخ إيرانية في سورية موجّهة ضد إسرائيل.

أصابت الغارة مخزن أسلحة سوري. واستشهد في الغارة حسب بعض التقارير, حوالي 15  جندياً ويقال أن من بينهم إيرانيون.

حتى الصحافة الإسرائيلية وجدت صعوبة في  تبرير هذا العدوان ولم تتمكن من إيجاد عذر مقنع لتبرير مثل هذه الضربة الإستباقية غير القانونية وغير الشرعية.

إسرائيل تزعم اليوم أنها  قضت على الخطر  الإيراني في سورية. وزير الحرب الصهيوني أفيغدور ليبرمان يزعم أن قواته قد ضربت معظم البنى التحتية الإيرانية الموجودة في سورية وقضت عليها جميعاً تقريباً.

ويزعم أنه لم تتم إصابة أية أهداف داخل كيان الاحتلال.  مزاعمه بتحقيق النجاح هي مؤشر على عدم رغبته بالتصعيد أو المضيّ بالمعركة أبعد من ذلك.

هذا الإطراء الدعائي لنجاح مزعوم يذكرنا بمزاعم سابقة مشابهة:

في اليوم الثاني من حرب لبنان عام 2006, زعم الصهاينة أنهم دمّروا جميع منصات صواريخ حزب الله طويلة المدى خلال 34 دقيقة من حملتهم الجوية على لبنان وتفاخروا وتباهوا بذلك.

لكن الصواريخ ظلّت تطلق على كيانهم بمعدل 100 صاروخ في اليوم وتصيب أهدافاً في عمق الكيان بما في ذلك تل أبيب البعيدة نسبياً عن الحدود اللبنانية.

وبعد ما يزيد على الثلاثين يوماً بدأت تل أبيب تستنجد طالبة السلام. محاولة غزوها للبنان قد فشلت وهزمت. وما زعمت أنه إصابات ناجحة ومحققة لصواريخ حزب الله طويلة المدى لم تصب سوى مواقع كان معظمها فارغاً.

الإستهدافات الإسرائيلية لسورية لم تكن أوفر حظاً من استهدافاتها للبنان قبل 12 عاماً من الآن.

من الآن وصاعداً, سورية سترد على أيّ اعتداء إسرائيلي. هذه المرة, اكتفت سورية بضرب مواقع عسكرية في الجولان السوري المحتل.

في المرة القادمة, الضربات ستذهب أعمق من ذلك. هذه المرة  طلبت إسرائيل من مستوطنيها في الجولان المحتل بالاختباء في الملاجىء .

المرة القادمة  قد تختبيء إسرائيل كلها تحت الأرض. كم تستطيع إسرائيل احتمال هذا؟

إيران أيضاً ستردّ على الاعتداءات التي أصابت قواتها في سورية. لكن من غير الضروري أن تفعل ذلك من سورية. هناك طرق عديدة أخرى ووسائل أخرى شتى للردّ وليس بالضرورة أن تكون عبر إطلاق الصواريخ.

أن تتمكن سورية من الردّ على الاعتداءات الإسرائيلية بعد كل هذه السنين من المعاناة يرسم خطاً في الرمال. فإن أرادت إسرائيل الحرب فلها ذلك: التدمير الذي سيصيب دول الشرق الأوسط كلها, بما في ذلك إسرائيل, قد يعيدها مائة عام إلى الوراء.

بمقدور كل من سورية ولبنان وإيران احتمال ذلك, لكن قبل مائة عام من الآن, إسرائيل لم تكن موجودة.

لكن بالنسبة للبعض, مع الأسف, الحقائق لا تعني لهم شيئاً ولا تهمهم.

  • المصدر: تمّت الترجمة إلى العربية من مقال نشـره موقـع مون أوف الاباما (Moon of Alabama)

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz