بأي حق تحاول الولايات المتحدة فرض إملاءاتها ؟

حذرت الولايات المتحدة سورية من محاولة الهجوم على مواقع الإرهابيين في جنوب سورية. وذكرت وزارة الخارجية الأمريكية في تصريح رسمي أن الجيش الأمريكي سوف يردّ على أية عملية يمكن أن تقوم بها القوات الحكومية الشرعية لطرد الجماعات الإرهابية واستعادة السيطرة على الأراضي التي تقع حالياً تحت أيديهم, بما في ذلك  المناطق الواقعة في الجنوب الغربي ما بين محافظتي درعا والسويداء المحاذية لخط فصل القوات مع الجولان السوري الذي تحتله إسرائيل.

المفارقة أن واشنطن تحاول من خلال هذا التصريح أن تُصدر الأوامر إلى دولة تتواجد فيها دون إذن أو دعوة من القيادة الشرعية في ذلك البلد وهذا بحد ذاته أمر غير مقبول البتة.

فمجرد محاولة دولة ما أن تقول للحكومة السورية الشرعية المعترف بها عالمياً ما الذي ينبغي أو لا ينبغي لها أن تتخذه من خطوات لاستعادة السيطرة على أجزاء من أرضها هو بحد ذاته أمر غريب ومستهجن وغير مقبول. الناطقة باسم الخارجية الأمريكية “هيثر ناويرت” قالت أن واشنطن سترد بحزم وستتخذ ما يلزم من الإجراءات في حال أقدمت سورية على مهاجمة الإرهابيين.

لكن هل لدى الولايات المتحدة أي مسوّغ أو أرضية قانونية للرد بأي شكل من الأشكال؟ ما الذي تفعله واشنطن في سورية أساساً؟ ثم هناك أمر آخر..

ألم يتعهد ترامب مؤخراً بسحب جميع قواته من سورية؟ بالفعل. ليس هناك أي مبرر لوجود القوات الأمريكية على الأراضي السورية خاصة بعد الهزيمة النكراء التي مُني بها تنظيم داعش الإرهابي ولم يعد له أي تأثير يُذكر على مجريات الأحداث.

في الواقع كان القضاء على هذا التنظيم قد تم منذ زمن بعيد لولا التدخلات الأمريكية ولو لم تسمح القوات الأمريكية لفلول هذا التنظيم أن تستمر في البقاء. ألم يقل الرئيس ترامب مرات عدّة أن التبرير الوحيد للوجود الأمريكي في سورية هو الحاجة لمحاربة داعش وليس أي أحد آخر؟ ألم يكن هو من أعلن بسرور بالغ ما أسماه “الانتصار النهائي” على هذا التنظيم الإرهابي؟ وأن المهمة قد انتهت وأنجزت؟

لكن مع ذلك نرى أن القوات الأمريكية ما تزال متواجدة بل وتصدر التحذيرات والتعليمات معتقدة أن على الآخرين السمع والطاعة.. وإلا .. تصريح الخارجية الأمريكية يطلب من موسكو أن تستخدم نفوذها لدى الحكومة السورية لمنعها من تحرير المناطق الخاضعة لسيطرة الإرهابيين بزعم أن هذه المناطق تقع ضمن مناطق خفض التصعيد التي تم إنشاؤها العام الماضي ضمن اتفاق تم التوصّل إليه بين كل من روسيا والولايات المتحدة والأردن.

موسكو بدورها دعت واشنطن لعدم محاولة زعزعة الاستقرار في سورية من خلال ضرباتها الصاروخية وغاراتها الجوية وأن تقوم بخلاف من ذلك بفعل شيء ما للمساعدة في معالجة الأزمات الإنسانية في جنوب غرب سورية. لكن هل هناك من يصغي؟  الشهر الماضي, صرح الرئيس الروسي بأن جميع أشكال التعاون مع الولايات المتحدة في سورية قد تم تعليقها بعد الهجوم الذي حصل في شهر نيسان والذي اعتبرته الحكومة الروسية بمثابة عدوان على دولة ذات سيادة.

لم تكن موسكو هي من بدأ هذا كله. ولم تكن هي من داس عل جميع الاتفاقات السابقة واعتبرها لاغية وباطلة. مساعد وزير الخارجية الأمريكية “وايز ميتشل” قال أمام لجنة العلاقات الخارجية في الثامن عشر من شهر نيسان الماضي أن واشنطن مستعدة للدخول في مواجهة مسلحة مع روسيا في سورية. مثل هذا التصريح لا يمرّ مرور الكرام في موسكو..

بالرغم من كونها أحد الضامنين لمنطقة خفض التصعيد في جنوب غرب سورية, ماذا فعلت الولايات المتحدة للجم “المتمردين” ومنعهم من مهاجمة القوات السورية وشنّ كل أشكال الاستفزازات؟ وماذا عن القوة التي يبلغ قوامها حوالي 12 ألف مسلح تم حشدهم على الجبهة الجنوبية استعداداً لعدوان مُبيّت ضد القوات السورية؟ أليس هذا انتهاكاً لاتفاقية خفض التصعيد؟

هم يخططون للاستيلاء على درعا وتحويلها إلى عاصمة لدويلة موازية تدعمها الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن غير المستبعد أن نشهد مسرحية كيماوية أخرى يتم افتعالها لإثارة المزيد من ضبابية الرؤية. المسلحون باتت لديهم خبرة في افتعال قصص ومسرحيات كهذه. الإمدادات اللوجستية لهذه القوة يمكن أن تنطوي على عمليات عبر الحدود الأردنية تحت ستار تقديم المساعدات الإنسانية.

هل تقرّ اتفاقية خفض التصعيد أو تعطي الضوء الأخضر لأية أنشطة كهذه ؟ الجواب هو بالنفي طبعاً. ربما تم نقاش الوضع خلال اجتماع أستانا الأخير, لكن الولايات المتحدة تعمّدت الغياب وعدم حضور هذا الاجتماع, بينما كانت في الوقت ذاته تشجّع التحضيرات العسكرية في محافظة دير الزور.

يتزامن التحذير الأمريكي مع بعض التقارير الصحفية التي تقول أن الولايات المتحدة تدرس إمكانية الاعتراف بالجولان السوري المحتل كأراض تابعة لكيان الاحتلال الإسرائيلي. وسوف تعتبر بالتالي تواجد أية  قوات “أجنبية” كالقوات الإيرانية, على سبيل المثال, بمثابة تهديد لما تسميه “سيادة إسرائيل”. والولايات المتحدة, بالطبع, ستكون على أهبّة الاستعداد لمد يد العون لصديقتها وحليفتها القديمة. لكن مرتفعات الجولان أراضٍ سوريّة. استولت عليها إسرائيل في حرب عام 1967 وأعلنت بشكل غير شرعي قرار ضمّها عام 1981.  ومع أن تلك الخطوة لم تحظَ بأي اعتراف دولي, لكن الولايات المتحدة مستعدة لتحدّي بقية العالم كله. وهذه ليست المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك. فقد قررت نقل سفارتها إلى القدس ومزّقت بشكل أحادي الاتفاق النووي مع إيران وقائمة الأمثلة التي تدلل على ازدراء واشنطن للقانون الدول وللرأي العام العالمي تطول وتطول..

وبالرغم من إعلانها العزم على الانسحاب من سورية, إلا أن التحذير الأمريكي يشير إلى نية واشنطن البقاء لزمن طويل. ومزاعم القتال ضد داعش لا علاقة لها في الواقع بخطط واشنطن المستقبلية.

الهدف هو تقسيم سورية ومحاولة إبقاء مناطق واسعة من الأراضي السورية تحت السيطرة الأمريكية بما في ذلك محافظة درعا.

غياب واشنطن عن اجتماع أستانا يدلّ على محاولتها عرقلة  جهود السلام  التي تقودها روسيا حالياً رغبة منها في أن ترى سورية مقسّمة.

وتحاول في الوقت نفسه  استغلال منابر أخرى لمحادثات السلام بهدف تقليص دور روسيا ونفوذها وسعياً منها لعزل حكومة الأسد الشرعية والضغط على إيران للانسحاب والخروج من المشهد السوري.

خطوة بعد خطوة, يتضح إلى أي حد يعمل التدخل الأمريكي الذي تم دون دعوة من دمشق على تعقيد الأمور وزيادة مخاطر توسع دائرة النزاع في المنطقة.

إذا تمكنت الولايات المتحدة من تنفيذ مخططها بإنشاء كيانٍ موازٍ للدولة في جنوب سورية ستكون هذه هي البداية لإعادة صياغة جغرافية الشرق الأوسط وفق المنظور الأمريكي للعالم.

لكـن هـذا لـن يحـدث ولا يجـوز أن يحـدث.

  • المصدر: مقال صـادر بالانجليزية في موقـع “منـت برس” وتمّـت ترجمـته لموقـع (الحقائـق السـورية).

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz