ســقوط الملك التوراتي على أســوار كنعان ..

  • بقلــم “نارام سـرجون”

لن تتعلموا التواضع والبراغماتية إلا ممّن علا وارتفع ثم على رأسه وقع .. فأولئك الذين تألمت أجنحتهم وهي تتكسر هم خير من يعلم التواضع والاعتذار ويقدرون المشي على الأرض وليس على الغيوم .. وخير من يُعلّم التماسيح البراغماتية في الحياة إذا لم تجد ما تأكله هي الثعالب التي تأكل الأعشاب والبرسيم والذرة بدل مضغ شرائح اللحم وتقطيع العظم ..
ومناسبة هذا الكلام هو أنني أعترف أني تعلّمت من نتنياهو الماكر الذي له فم مكتظ بالأنياب درساً في البراغماتية .. ودرساً في الهبوط الاضطراري .. والانسحاب التكتيكي .. واستعمال الأنياب لقضم الأعشاب .. فالرجل الذي نذكره منذ سبع سنوات كان ارتفع بطموحاته إلى حد لم يحلم به أيّ من ملوك بني إسرائيل في كل خرافات التوراة وأحاديث التلمود .. فهذا الرجل كان منذ سبع سنوات لا يقبل بأقلّ من أن تسقط دمشق وتتفكك سورية كما سقطت بغداد التي كان مذاق سقوطها لا يُضاهى في أفواه جماعة (من الفرات إلى النيل حدودك يا إسرائيل) .. ولم يكن نتنياهو يقبل بأي عرض في سورية سوى أن يرحل الأسد ..

وكما نظرت عيون التوراتيين إلى بغداد على أنها بابل فإنها نظرت إلى الأسد على أنه ملك كنعان ونتنياهو المغرور كان يوزع سورية هدايا ومكافآت على العملاء، هكذا كان نتنياهو .. يجتمع ألف مرة في اليوم بحكومته ويضع كل يوم شروطاً صعبة .. مرة يريدنا أن نضع زهران علوش رئيساً للوزراء .. ومرة لا يقبل إلا أن يكون أبو محمد الجولاني وزيراً للدفاع في الحكومة الانتقالية واسعة الصلاحيات .. ويوصي بفيصل القاسم رئيساً للجمهورية الانتقالية ..

نتنياهو هذا كان لا يهبط عن هضبة الجولان وهو يراقبنا بناظوره ويعدّ الأمتار الباقية لوصول “ثوار الموساد” إلى قصر الشعب لرفع العلم الإسرائيلي على قاسيون عرفاناً من الثورة بدعم إسرائيل لنضال الأحرار .. وفي طريقه إلى بيته يمرّ على الجرحى الثورجيين الذين كان يعدهم ليرافقوه في أول زيارة توراتية لملك توراتي إلى دمشق التي ظلّت التوراة تتوجّس منها وتقول متمنية بخرابها وتبشّر به (ها إنَّ دمشق تُزالُ مِن بَينِ المُدُن، فَتَكونُ رُكامًا مِنَ الأَنْقاض) ..
كان نتنياهو يُرسل الطائرات كل يوم لتطير فوق “أرض كنعان” وهو لا يصدّق أنه خرج من القفص الذي وضعت فيه إسرائيل .. قفص صنعته الصواريخ والدفاعات الجوية السورية فكسرته فصائل الجنوب والغوطة وجيش الإسلام والنصرة وكل من يكبّر باسم الله .. حيث لا صواريخ ولا مقاليع بقيت في سورية بعد أن التهم الثورجيون لحوم الصواريخ بأياديهم وأظافرهم .. وتبللت لحاهم من دمها .. وانتشر بارودها على شنباتهم .. هذا النتن ياهو كان لا يكلّ ولا يملّ من تلقين كل وفود المعارضة شرطه كي يوقف هجوم الانتحاريين وقذائف الهاون من الغوطة على دمشق ومدافع جهنم على حلب .. فشرطه الوحيد كان إخراج إيران إلى ما وراء دجلة ..وحبس حزب الله في أقفاص “حريرية” سعودية في جنوب لبنان..  بعد كل هذا الغرور والعنجهية سقط هذا الملك التوراتي .. وصار في كل يوم يرسل المراسيل لإيقاف الحرب عند هذه النقطة أو تلك..

فهو بعد أن أدرك أن الحرب تتدحرج لصالح الجيش السوري حاول أن يبرم اتفاقاً لتثبيت كل شيء بحيث تخرج إيران وحزب الله ويبقى الرئيس الأسد في دمشق ويتقاسم ما بقي من السلطة مع المعارضة .. ولكنه بعد ذلك وجد أن الأسد أرغم المعارضة على تقيؤ ما ابتلعته ..

فقد فوجئ الملك التوراتي أن من تم إخراجه هو جيش الإسلام والنصرة من كل الغوطة والقلمون ووسط سورية .. فغيّر الملك التوراتي شروطه قليلاً وتواضع .. وهو أنه يريد أن يعود الأمر في سورية إلى ما كان عليه قبل الربيع العربي وزمن الأندوف الجميل .. بشرط أن تخرج إيران وحزب الله من سورية “قليلاً” وهكذا تتراجع شروط الملك الإسرائيلي نتنياهو الذي حلم أن يكون ملكاً على كنعان .. حتى أنه اليوم لا يريد إلا أن يبتعد حزب الله عشرين ميلاً إلى الشمال مع عودة كل شيء إلى ما كان عليه ..

وإذا تم دحر الإرهاب في الجنوب في درعا كما هو متوقع 100% فربما يكون طلب نتنياهو أن يقتصر سلاح حزب الله في سورية على الكاتيوشا بدل الصواريخ الضخمة وأن لا يشمل التراشق بالنار عمق فلسطين وتنحصر المعركة فقط في الجولان ..

ولكن بالمقابل لو راجعنا مواقف الرئيس الأسد والقيادة السورية منذ بداية الأزمة نجد أن الرجل قال كلمة واحدة ولم يتزحزح عنها .. وهو يقترب بالتدريج من إثباتها وتحقيقها .. فهو منذ اليوم الأول قال إن الإرهاب عدونا وهو صديق إسرائيل وسنحاربه ونقتلعه .. وقد فعل ..،

إن تواضع نتنياهو وهبوطه الاضطراري في مهابط التراجع ليست بسبب عقلانية توراتية بل هي نابعة من الضرب الموجع على الرأس .. وهو تواضع سقاه الإذلال وأرضعته المهانة .. وهو ما كنا نطلق عليه سابقاً مصطلح (الانسحاب التكتيكي) الشهير الذي دأب عليه الثوار .. فإذا كان نتنياهو يعلّمنا البراغماتية والتواضع فإن هذا الأستاذ في التواضع والبراغماتية أستاذ لا يُبارى في الانسحاب التكتيكي .. والإذلال الاستراتيجي..  ؟!.

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz