برنارد لويـس رسـول مزيّف لكذبة كبـرى

بقلـم “مارتين سيف”

عندما توفي البروفسور برنارد لويس في التاسع عشر من شهر أيار 2018 عن عمر استطال حتى ناهز المائة وعامين, تناول الإعلام الأمريكي الخبر بكثير من التبجيل والتقدير لشخصه.

فصحيفة نيويورك تايمز, التي قادت الجوقة وكانت بمثابة ضابط الإيقاع, رثته بقولها: ” قلّـة قليلة فقط من الغرباء كان لهم مثل هذا التأثير الذي كان يتمتع به السيد لويس على إدارة جورج بوش الابن في كافة الأمور التي تتعلق بشؤون الشرق الأوسط .

تأثير لم يحظَ به أي أكاديمي آخر على الإطلاق. الرئيس (بوش الابن)  حمل نسخة من أحد مقالاته الهامة في أحد مؤتمراته الصحفية والتقاه قبل وبعد غزو العراق عام 2003.

السيد لويس كان يقدّم الإيجازات في البيض الأبيض وفي مقرّ إقامة نائب الرئيس ديك تشيني وفي البنتاغون في عهد وزير الدفاع الأسبق “دونالد رامسفيلد”.

في الواقع يصعب على المرء أن يتخيل ولو للحظة أن جورج بوش الإبن قد قرأ أي كتاب في حياته. فأمر كهذا يفوق الخيال.

المشكلة لا تكمن فقط في أن الإعلام الأمريكي قد أطنب المديح المثير للسخرية لشخص لا يستحق, بل المشكلة الكبرى أن هذا الإعلام قد أقصى جميع الأصوات الموازية التي لا ترى مثل هذا الرأي ولا تشارك الإعلام الرسمي الأمريكي تقييمه.

هذا الإعلام الذي بات نموذجاً يجسَـد على أرض الواقع مقولات جورج أوريل حول العالم المقلوب والمفاهيم المقلوبة حيث الحقيقة والواقع هي النقيض التام لما تقوله السلطات الحاكمة وإعلامها التابع.

ظـلّ لويس شخصية هامشية إن لم نقل ممقوتة على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية البريطانية إلى أن بلغ منتصف الخمسينات من العمر وهو العمر الذي يتقاعد فيه الأكاديميون عادة أو يفقدون زخم نشاطهم.

لم يكن له أي نتاج أكاديمي جاد يُعتـدَ به حول الشرق الأوسط سوى مؤلفه الصادر بعنوان ” التنظيمات” حول  برامج الإصلاح في تركيا العثمانية في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

وكونه من عتاة المؤيدين لإسرائيل, فمن غير المستبعد أن لا يكون قد قام بأي زيارة إلى أية دولة عربية رئيسية على مدى السنوات الثلاثين الممتدة ما بين 1950 و1980. ولا يبدو أنه درس بشكل جدّي شؤون هذه الدول ولا أبدى أي احترام لأولئك الذين فعلوا ذلك (أي الذين درسوا وكتبوا عن واقع هذه البلدان العربية).

لم تكن لديه أية معرفة بالتطورات السياسية والاقتصادية التفصيلية للبلدان العربية الناشئة.

كان يبني تقديراته حول المنطقة ويُطلق أحكامه عليها استناداً إلى ما علق في ذاكرته من رحلات قام بها خلال عقد الثلاثينات من القرن الماضي, أي قبل نشوب الحرب العالمية الثانية  بمدة لا يُستهان بها.

عندما كنت أدرس تاريخ الشرق الأوسط في مدرسة لندن للعلوم الاقتصادية في منتصف السبعينات, كان الباحثون الجادون المتخصصون بشؤون المنطقة يعتبرونه مُهرّجاً.

لكن بعد أن هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1974, وجد برنارد لويس ضالته حيث صار “البوق” الذي يبرر لقوى العدوان عدوانهم والمُنظّر الإيديولوجي الذي يخاطب الجماهير لترويج حروب الإمبراطورية, ليلعب الدور نفسه الذي لعبه من قِبل “ليو شتراوس” الأب الروحي والمؤسس الإيديولوجي للمحافظين الجدد قبل عقود مضت في جامعة شيكاغو.

في كلتا الحالتين كان كل من الرجلين قادراً على تفادي الإزدراء التي يستوجبه عملهما المصطنع وغير المتسامح والذي كان يستفز زملاءهما السابقين في البيئة الأكاديمية الأصلية التي نشأ كل منهما فيها. فكلاهما كانا يتوجهان لجمهور  راغب بتصديقهما دونما تدقيق أو تمحيص أو تشكيك.

في الواقع, رقص كثيرون على أنغام كلماته وكان الجمهوريون الصاعدون في عهد ريغان والمسيحيون الإنجيليون وعتاة مناهضي الشيوعية وجميع العنصريين المعادين لروسيا من الحزب الديمقراطي كانوا جميعاً يطربون لخطاب برنارد لويس المتعصّب وغير المتسامح.

في هذه الدوائر, كانت ترّهاته الواضحة وتشويهه المتعمّد للحقائق يمرّ دون أي تمحيص أو تدقيق ودون أي اعتراض. رئيسة وزراء كيان الاحتلال في السبعينات “غولدا مائير” أحبت بدعته القائلة بأنه لم يكن هناك ثمّة شيء يدعى “قومية فلسطينية”. لويس أحب الماضي التركي وكره وأبغض الحاضر العربي.

صعود لويس إلى الشهرة في واشنطن بدأ في السبعينات برعاية السيناتور “هنري جاكسون” الذي كان عرّاب الجيل الأول من المحافظين الجدد. ووصل إلى منتهاه بعد حوالي ربع قرن من ذلك التاريخ تحت رعاية الرئيس جورج بوش الابن.

وبالرغم من محاولته إنكار ذلك لاحقاً, إلا أن “برنارد لويس” كان  شخصية محورية ورئيسية في الجهود الحثيثة التي حاولت استغلال أحداث أيلول الإرهابية كذريعة لتبرير  الغزو الأمريكي للعراق وبالتالي احتلاله.

لا يمكن نسيان ما كان يكتبه حول المجتمعات العربية. فقد كان يكرر مقولته الدائمة: ” إن لم نجلب لهم الحرية سوف يأتون إلينا ويدمروننا “.

الحقيقة كانت عكس ذلك تماماً. التطرف الإسلامي كان هامشياً في كامل العالم العربي ” السني” قبل وصول إدارة بوش الابن للسلطة.

لكن تماشياً مع نصائح لويس و”رفاقه” الآخرين من المحافظين الجدد, أخذ بوش على عاتقه مسؤولية تنفيذ المشروع “الهائل” الذي قام من خلاله بتدمير المجتمعات المستقرة واحداً تلو الآخر باسم حرية “لويس” المزعومة.

انعدام الكفاءة وافتقاره للمهنية إضافة إلى مزاعمه المخادعة ونبوءاته الخاطئة كلها كانت واضحة للعيان.

في العام 2002 زعم أن العراقيين سوف يهللون للقوات العسكرية الأمريكية وهي تغزو بلادهم. لكن ما حدث كان العكس تماماً.

فقد نهضت المقاومة الشعبية العراقية و استنزفت الجيش الأمريكي وأدت إلى مقتل آلاف الجنود الأمريكيين.

لم يكن أيّ من هذا في حسبان برنارد لويس, على ما يبدو..

وبدا كما لو أنه أخذ على حين غرة إذ جاءت جميع الأحداث بعكس توقعاته كلها.

لكن الحقائق لا تعني شيئاً بالنسبة لبرنارد لويس وزمرته من “المؤمنين” تماماً كما لا يعنيهم المنطق والتفكير السليم. فبالنسبة لهم هذه الأشياء مجرد أمور ثانوية لتشتيت الانتباه عن “الهدف”.

كان يُطلق تعميمات جارفة من السهل على أي شخص له معرفة مباشرة بواقع المجتمعات العربية في المغرب والهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربية أن يعرف على الفور مدى سخفها وبطلانها.

رحَب لويس بموجة الاحتجاجات التي انطلقت في جميع أرجاء الشرق الأوسط تحت مسمَى “الربيع العربي” ابتداءً من شهر كانون الأول عام 2010 واستمرت على مدى العام الذي تلاه, معتبراً ذلك “فرصة عظيمة” أخرى لاستبدال الأنظمة الأوتوقراطية في كامل المنطقة ووضع أنظمة “ديمقراطية” مدعومة من الولايات المتحدة مكانها.

ما حدث على أرض الواقع كان العكس تماماً. والحلول التي كان لويس يقترحها ويتم من خلالها تطبيق نظريته في نشر القوات العسكرية الأمريكية لاحتلال الدول, كانت دائماً تأتي بنتائج عكسية ارتكاسية ترتد انعكاساتها على القائمين بها على النقيض تماماً من كل وعوده المزيفة.

صعود التطرف الإسلامي في العراق وسورية كان نتيجة مباشرة للقوة العسكرية المفرطة التي استخدمتها القوات الأمريكية ضد البلدين سواءً بشكل مباشر أو من خلال الجماعات المسلحة التي قامت واشنطن بدعمها وتسليحها وتمويلها.

إرث لويس الثقيل لا يمكن أن تغفله العين. إنه يتمثل بملايين اللاجئين وبالمجتمعات الممزقة وبأكثر من مليون ضحية في العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003 وأكثر من 600 ألف  قتلوا في الحروب في سورية وما يزال هذا الظلَ القاتم يخيَم على كامل المنطقة من خلال الحروب التي تبدو بلا نهاية.

قد يكون من المناسب أن نتخيله الآن وسط لهيب جهنم يسمع صرخات المعذبين وحشرجات الضحايا الذين زُهقت أرواحهم بسبب السياسات التي طالما روَج لها وتبناها دون حياء أو رحمة أو شفقة أو وازعٍ من ضمير.

لكن, مع الأسف, لديَ شك بذلك (فقد لا تكون هناك جهنم)

  • المصـدر: ترجمـة مـن مقـال صـادر بالانجـليزيـة نشـر فـي موقـع   

    (Strategic Culture Foundation) بتاريخ (19 حزيران 2018).

     ترجمـة : ” زينـب صـالح “

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz