بين جنـوب لبنـان وجنـوب سـورية البدايـة والنهايـة واحـدة

  • بقلـم ” نـارام ســرجون “

يحاول الإسرائيليون أن يقولوا لنا سامحونا على الخطأ عندما دمّرنا خط وقف إطلاق النار وأعطيناه لمجموعات إرهابية لنقاتلكم بها .. والأمر كله كان مزحة ودعونا نعود إلى سابق عهدنا ..

هكذا يريد الإسرائيليون ببساطة أن يعيدوا الجدار الأممي بيننا وبينهم كما كان .. وأن يعيدوا حزب الله إلى لبنان وأن نعيد إيران إلى ما وراء العراق .. ويا دار مادخلك شر !!

الإسرائيليون – وليس نحن – من حاول تفكيك اتفاق فكّ الاشتباك الأممي الصامد منذ 1974 وتنكروا له .. والإسرائيليون هم من رعى المجموعات المسلحة التي كانت تتهمنا أننا لا نطلق النار على إسرائيل .. وقبلت إسرائيل التحريض علينا بذريعة أننا لانطلق النار عليها حتى وان كانت هي المستفيدة من حالة اللاحرب في الجولان طالما أن التشنيع علينا سيفيد ذرائع الإسلاميين بالتمرد ..

اليوم تغيًر الوضع .. وعاد الجيش السوري وبدأ بكنس المجموعات الإرهابية في الجنوب، وجدت إسرائيل نفسها أنها أمام خيار الجيش السوري بلا اتفاقية فكّ الاشتباك وبلا قوات أممية كمن صار وجهاً لوجه مع العاصفة بعد أن سقط الجدار الذي يختبئ خلفه .. وهي هنا أمام لحظة فارقة جاءت بكل الكوابيس التي لا يتخيلها عقل إسرائيلي .. جيش سوري بلا قيود .. وحزب الله وخبرته وإيران وطموحاتها في تحطيم صلف إسرائيل ..

يشبه مشروع إسرائيل في الجنوب السوري مشروع إسرائيل في الجنوب اللبناني .. نفس المغامرة ونفس البدايات الطموحة والناجحة .. وستكون له نفس النهايات وسيلقى نفس المصير .. فالإسرائيليون اجتاحوا جنوب لبنان قاصدين التخلص من منظمة التحرير الفلسطينية والحاق لبنان بكامب ديفيد .. واعتمدوا آنذاك على غضب السكان المحليين من سلوك بعض الفصائل الفلسطينية .. بل إن الجنود الإسرائيليين تلقوا استقبالاً حاراً أحياناً ورُشَ عليهم الورد والأرز لأنهم جاؤوا مُخلصين من تصرفات وطيش بعض عناصر الفصائل الفلسطينية ..

وحتى أن الشاعر اللبناني المعروف “سعيد عقل” امتدح الجيش الصهيوني الغازي ووصف “بيغين” بالبطل .. وانتشى الإسرائيليون بالانجاز .. وفي نفس الوقت بدأت سياسة وخطط الاستيلاء على حزام الجنوب اللبناني والمياه ..

إلا أن ما خرج من قمقم الجنوب لم يخطر على بال أيَ شيطان إسرائيلي .. وهو المقاومة اللبنانية الوطنية بكل مكوناتها الحزبية والدينية والتي التحق بها حزب الله اللبناني وشكّل أشرس مقاومة عرفتها إسرائيل .. والتي لاحقت الإسرائيليين إلى يوم التحرير عام 2000 ولم تتوقف إلا على حدود فلسطين ..

اللعبة الإسرائيلية في سورية دمّرت جزءاً من سورية كما خطط الإسرائيليون .. ولكن النتيجة مغايرة لما توقعه أي إسرائيلي فالجيش السوري لم يتشقق ولم يتمزق .. بل تمرّس على كل أشكال الحرب .. وصار جنوده الصغار جنرالات لشدة تمرّسهم على المعارك الطاحنة ..

وحزب الله صار أقوى وأكثر انتشاراً وتسليحاً واقتراباً من الجولان .. إضافة إلى وجود إيراني داعم ومساند لم يعد يخفي نفسه .. وفوق هذا وجود روسي غامض النوايا ولا يُعرف إلى أي حد سينخرط في معارك سورية المقبلة .. فرغم أن الروسي لن يدفع نحو حرب لمهاجمة إسرائيل ولكن يصعب جداً أن يتوقع أيَ مراقب إلى أي حد سيقف الروس متفرجين إذا ما هاجمت إسرائيل سورية بشكل مباشر واندلعت الحرب .. وهناك إدراك إسرائيلي أن الجيش السوري قد تم تحديثه بالسلاح الروسي تدريجياً خلال السنتين الأخيرتين .. ومن هنا تبدو حيرة الإسرائيليين كبيرة فيما هم فاعلون ..

فهم لن يقبلوا بإبعاد الأمم المتحدة عن الخط الفاصل ولا يقدرون على فرض عودة الاتفاق .. ولا على مواجهة حرب ستنخرط فيها سورية وحلفاؤها ..

ولو خُيّر الإسرائيليون بين ما كان قبل عام 2011 والآن لتمنَوا أن تعود الساعة إلى الوراء ويتوقف الزمن عند عام 2010 .. لأنهم توقعوا كل شيء إلا هذه النهاية الكارثية عليهم ..

الإسـرائيليون لا يكـادون يتركون موسـكو  .. فالزيـارة تتلوهـا الزيـارة من أجـل هـدف واحـد وهـو أن يضـغط الروس على السـوريين للقبـول بعـودة اتفـاق فـكّ  الاشـتباك ..

الآراء في الغرب تقول بأن الروس ورغم المجاملات مع الإسرائيليين فستكون لهم غالباً وجهة نظر متفقة مع وجهة النظر السورية بأن هذا الأمر يجب أن يكون درساً للإسرائيليين ولغيرهم من الحلفاء من أن التلاعب بالخطوط الحُمر يجب أن يكون له ثمن باهظ وكبير ..

والأمر الذي يتفق السوريون والروس عليه هو أن إسرائيل يجب أن لا تحصل على ما تريده لأنها هي التي صنعت هذا الخيار وعليها أن تحصد ما زرعته .. بل يجب أن تقدَم ثمناً له ..

والإسرائيليون ليس لهم شغل في اجتماعاتهم إلا تخمين الثمن الذي سيوضع على الطاولة .. فالسوريون ليسوا مضطرين على الإطلاق لقبول العروض الإسرائيلية والتهديدات ..رغم تلميح السوريين على مستويات عليا أنهم قد يقبلون بعودة الوضع إلى ما كان عليه ..

لكن هذه العبارة ليست كاملة بل ناقصة .. وهي مشروطة وليست بلا إضـافات ..

إسرائيل تسببت في هدم السقف الذي اختبأت تحته سنوات .. وصار الشمال أكثر نقطة إسرائيلية هشّة بعد أن كان المُخطط أن يكون أقوى نقطة لإسرائيل .. مُحاطة بخط بارليف إسلامي ..

اللعبة تدحرجت .. وليس بإمكان نتنياهو ولا جيش نتنياهو أن يوقفها وما حدث يجب أن يكون درساً يتعلمه هو وغيره ..

كما أن في الشمال حليفاً له تعلَم درساً آخر عندما ظنَ أنه نجح في إسقاط دمشق فإذا بشمال سورية يُهدد تركيا كلها بالسقوط فطلب على الفور إيقاف اللعبة والعودة إلى اتفاق أضنة حيث يلاحق الطرفان المتفقان التنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن الطرف الآخر ..

على نتنياهو أن يفكر بطريقة يعضَ فيها أصابعه ندماَ ويقطعها بأسنانه لأنها لعبت بالنار ولسوء العاقبة التي وصل إليها .. وتمكن أعداؤه من أن يحولوا مشروعه إلى مشروع لهم .. وكلها مشاريع بدايتها ليست كنهايتها .. ونهايتها أسوأ من نهايات أسوأها ..

ولكم في نهايات حكاية جنوب لبنان عبرة ومتعظاً ..  واليوم جـاء دور الجنـوب السـوري ..

فاتعظـوا يا معشــر الاشـكيناز والسـفارديـم  ….

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz