العلمانية تظـلّ الإطـار الأنسـب للهوية الوطنية الجامعـة

العواصف التي أثارتها الحرب الشرسة على سورية كثيرة ومتنوعة .. منها ما كان على شكل قتال مباشر وصريح بالسلاح والمواجهة العسكرية ومنها ما كان على شكل حروب اقتصادية وإعلامية وثقافية وفكرية.

على المستوى الثقافي والمعرفي والفكري برزت عناوين عريضة أثارت الكثير من الجدل حول علمانية الدولة وجدواها وما إذا كانت توفر الحل الأمثل لمشاكل البلد وتخلّصه من التعصّب والجهل والتفرقة.

للوهلة الأولى, قد يبدو عنوان “العلمانية هي الحل” مجرد استنساخ تبسيطي لعنوان بائد أثبت فشله الذريع كان يروّج لمقولة “الإسـلام هو الحل”..

مجرّد الترويج لعنوان ما لا يكفي ولن يساعدنا على تقديم العلاجات اللازمة لجميع الأزمات.

ما يساعدنا على ذلك هي الرؤى التنويرية المترافقة مع خطط تنموية تشمل كافة مناحي الحياة وتؤسس لمجتمع سليم معافى من الأمراض وخاصة ثقافة الفساد بأشكاله كلها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والديني والسياسي.

على المستوى اليومي, تتأتّى معظم مشاكلنا, إن لم نقل كلها, من ضعف الحوكمة وسوء الإدارة, لا من التوجهات الايديولوجية.

قد يكون التوجه الايديولوجي الصامت والكامن لدى بعض الأفراد من بين الأسباب الخفية لسوء الإدارة.

فهناك حالات كثيرة يتم من خلالها افتعال مشاكل ونزاعات لا مبرر لها فقط لإزاحة أشخاص معينين أو كفاءات معينة يرى فيها أصحاب هذا التوجه “خطراً عليهم” فيعملون على إزاحتهم قبل أن يتمكنوا من تثبيت أقدامهم في أماكن عملهم وقبل أن تتاح لهم فرصة تقديم مساهماتهم القيّمة.. ممّا يتسبّب بخسـارة مثل هذه الكفاءات النادرة.

لضعف الحوكمة وسوء الإدارة أسباب ومسبّبات كثيرة بعضها فردي والآخر جماعي أو شبه جماعي. فهل يلعب المعتقد الايديولوجي للأفراد دوراً في ذلك؟

قد يقول قائل أن الفساد لا يرتبط بإيديولوجية معينة وأننا يمكن أن نجد الكثير من الفاسدين سـواءً داخل التيار الديني أو داخل التيار العلماني.. وأن العلمانية بحد ذاتها لا تُحصّن المجتمع من الفسـاد والفاسـدين..

ربما.. لكن هل يعني هذا الاستغناء عن علمانية الدولة؟ وفي هذه الحالة هل يعني ذلك قبول دولة دينية بما سوف يسـتتبعه ذلك من مشاكل لا حصر لها؟

وجود أفراد فاسدين داخل التيار العلماني, إن صح التعبير, لا يغنينا عن علمانية الدولة, لأنها هي الهوية الوطنية الجامعة للشعب كله.. وما عدا ذلك سـوف ينتج هويات فردية متناحرة يسعى كل منها لتأكيد ذاته على حساب باقي مكونات المجتمع. ووجود أشخاص شرفاء من التيار الديني أيضاً لا يعني تبنّي إيديولوجية هذا التيار بكل ما فيها.. فالإيمان على المستوى الفردي شيء وتبنيه كمنهاج عمل للدولة أمر آخر مختلف تماماً.

لنتذكر أن ثقافة الاستهلاك التي سادت, أو بالأصح تم ترويجها على نطاق واسع عبر العالم لم تأتِ بالصدفة. كان هناك عمل مُمنهج لنشر هذه “الثقافة” التي تثير لدى الأفراد نزعات الأنانية المفرطة وحب التملك.

فلم يكن من قبيل الصدفة مثلاً الترويج لشخصيات ورموز حصلوا على أموال طائلة بطرق غير شرعية وبدل أن يُحاكموا باتوا من أصحاب القرار وباتوا يتحكمون بمصائر دول بكاملها..

وهنا يمكن أن نذكر على سبيل المثال, لا الحصر, الملياردير “جورج سورس” أبو الثورات الملوّنة, الذي يُتهم بالتلاعب باقتصادات دول كثيرة من بينها دول النمور الآسيوية وخاصة ماليزيا.

بل تذكر بعض التقارير أن ألاعيبه المالية طالت دولاً عظمى مثل بريطانيا إذ يقال أنه تسبّب بأزمة مالية عصفت ببنك انجلترا وغير ذلك الكثير.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل يمكن معالجة الفساد الداخلي في ظلّ سيطرة المافيا العالمية على مراكز صناعة القرارات الكبرى في العالم؟

أو هل يمكننا على الأقل تحجيم هذا الفساد وضبطه ضمن حدود معقولة ومقبولة تتيح لطاقاتنا الإنتاجية النمو والازدهار في بيئة إدارية واجتماعية سـليمة ؟

الجواب على هذا السؤال يتطلب الكثير من الجهد والبحث الجماعي, لكن علينا أن نتذكر دائماً أن البديل للعلمانية هي تيارات دينية ذات هويات فردية تُشتت المجتمع لا تجمعه وأن الإيمان الفردي أو حتى التجمّعات الدينية يُمكن أن تعيش وتزدهر في جو العلمانية, لكن العكس غير صحيح.

أي أن الأفكار الجريئة والأسئلة الصعبة لن تجد لنفسها متسعاً في ظلّ سطوة التيارات الدينية وخاصة المتشددة منها.

(زينـب صـالح)- دمشـق في 2018/8/3

  

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz