ترامـب لبوتيـن: أعطـوني الصـين وخـذوا ســورية

  • بقلـم ” نارام سرجون “

منذ أن وصل ترامب وهناك حالة غير مسبوقة من العداء له لأن كل الإعلام الأمريكي والبنتاغون والمخابرات ونظام المال كانوا يريدون “هيلاري كلينتون” لإنجاز مشاريع الحرب في الشرق الأوسط وإتمام حصار روسيا ..

ولكن تيار ترامب فاجأ الدولة العميقة واقتنص السلطة .. وهو يريد أن يحارب الخطر الاقتصادي الأكبر والذي يمنعه من التفوق التجاري مع الصين التي ستجعل العالم صينياً إذا استمرت عجلة النمو الاقتصادي تلتهم اقتصادات الغرب وأمريكا .. وبرنامجه في مواجهة الصين قائم على تجريد الصين من أهم نقطتي ارتكاز .. وهما إيران وروسيا .. إيران هي صمام أمان الطاقة الضروري للصين .. وروسيا هي الضلع الأهم في منظمة بريكس الاقتصادية ومنظومة شانغهاي وإخراج روسيا من تحالفها مع الصين سيعزل الصين .. وهذه لعبة معاكسة لما لعبه “هنري كيسنجر” عندما استمال الصين الشيوعية ضد الاتحاد السوفييتي الشيوعي ..

واليوم يسير ترامب على خطى كيسنجر في رحلة عودة معاكسة تماماً .. حيث يريد ترامب استمالة روسيا وجذبها نحوه ما أمكنه لعزل الصين .. ويحاول عزل إيران أو كسرها لتجريد الصين من صمام الأمان الإيراني .. وقراره بالتراجع عن الاتفاق النووي قد يبدو لإرضاء إسرائيل إلا أن البعض يراه موجهاً ضد الصين لأنه سيضرب صمّام الأمان الصيني..

هذا يناسب توجّهات تيار ترامب والطبقة التجارية التي ترى في الصين التحدي الأكبر .. ولكن تجار السلاح والنفط والحروب لا يرون في مشروعه ومشروع طبقته القادمة معه ما يناسب مصالحهم .. رغم أنه استجاب لطلباتهم وتحريضاتهم  وأتى برموزهم إلى الأمن القومي عبر “جون بولتون” وغيره .. وأرضى اليمين المتصهين في الدولة العميقة وهو جزء من المحور التقليدي الذي ركّز كل جهود وحروب وسياسة ووقت أمريكا لتكون في الشرق الأوسط وحول إسرائيل .. ورغم أن خصومه يطعنونه في اتهامه بأنه مقرّب من الروس إلا أنه يستخدم هذه الدعاية في الصين للإيحاء للصينيين أن روسيا صارت أقرب إلى أمريكا لأن فيها رجلها .. وأنها رهانهم على الروس صار مغامرة تجب مراجعتها .. فيفصل البريكس ويكسر شانغهاي ..والحقيقة هي أنه يناوش مع الروس ومع السوريين ولكن عينه على الصين .. ولذلك فإنه رغم كل الانتقادات والاتهامات بالعمالة لروسيا لا يزال مصمماً على تجميد الصراع مع الروس وتثبيت وتسكين الجبهات في الشرق الأوسط والذي كان محور برنامج فريق “هيلاري كلينتون” .. لأنه يريد أن تنأى روسيا بنفسها أو يتم تحييدها في معركته مع الصين ..

وفي إطار جهده لتحييد روسيا فإن الموضوع السوري والأوكراني سيكونان وسيلة لإرضاء روسيا وهما الموضوعان اللذان كانا يقضّان مضجع روسيا .. ويبدو أن ترامب لم تعد هناك فجوة بينه وبين الروس سوى في إيران .. لأن إيران جزء من محور غير معلن تتزعمه روسيا ولن تفرط فيه .. وترامب يريد من روسيا أن تأخذ أوكرانيا وسورية وتنأى بنفسها عمّا يريده ترامب في إيران التي ستكون عملية إضعافها ثغرة مهمة في سور الصين الاقتصادي للوصول إلى الماكينة الصناعية الصينية وإعطابها .. وهو يريد أن تكون فترة رئاسته متخصصة بإيران والصين .. والتيار المتصهين يجد أن هناك هدفاً مشتركاً وفائدة من عنوان مشروع ترامب وهو مشروع إزاحة إيران في طريقه إلى الصين ..

وكما هو معروف فلكل رئيس أمريكي عنوان في رئاسته .. حيث بوش الأب أعاد أمريكا إلى الشرق الأوسط وأنهى الحرب الباردة وابنه افتتح موسم المحافظين الجدد في العراق .. وباراك أوباما كان برنامجه متركزاً على الربيع العربي وتدمير ما تبقى من الشرق بالموجة الإسلامية ..

ولذلك بدا واضحاً أن الموضوع السوري لم يعد ذا أهمية في إدارة ترامب وأنه يتراجع لصالح خطوات روسيا وسورية وهذا التراجع والانتقال من سورية إلى إيران والصين، تتم ترجمته الآن وهو ما تسبّب في إحجام تركيا عن متابعة مشروعها وانكفائها لأنها أدركت أن الثور الكبير الأمريكي ترك العجل الصغير التركي وحده .. فبدأ عملية انسحاب استراتيجي سينتهي منها ربما قبل عام 2019 أو في بدايته على أكثر تقدير .. بعد أن كان ينفذ انسحابات تكتيكية ..
والسؤال هو إن كانت هذه الحركات سترضي التيار المتشدد في الدولة العميقة الأمريكية التي لا تزال متجذّرة في أكبر وأقوى المؤسسات .. الحملة ضد ترامب شرسة للغاية .. فهناك حملة تحريض غير مسبوقة ضده في الغرب .. وتصويره أنه مشبوه وأن بوتين يمسك بأزراره .. ويلتهمه مثل ساندويشة همبرغر .. ووو .. ولكن يبدو أن الرجل يسير بشكل ثابت نحو هدفه ويبتعد عن هدفهم المتمثل في الشرق الأوسط ويكتفي بأن يضمن أمن إسرائيل ويسوّرها بتفاهمات ..

ولكن هذا لن يرضي الجناح المتطرف الذي وجد أنه لم ينهِ المهمة التي بدأها في الشرق الأوسط بغزو العراق وقتل الحريري والتحكم بلبنان عبر دم الحريري وتدمير ليبيا واليمن .. وإسقاط سورية واجتياحها بالإرهاب الوهابي والعثماني .. وبدا مثل من يبني جسراً ويكمله حتى يصل إلى آخر متر ويتوقف .. والجسر غير المكتمل لا يمكن استعماله .. وكأن كل الجهد المبذول خلال سنوات ضاع هباءً .. المتر الأخير كان يتمثل في سقوط دمشق .. التي لم تسقط .. ولو وصلت “هيلاري كلينتون” فإن مهمتها كانت أن تنهي المتر الأخير حتى لو وقعت حرب مع روسيا .. أما ترامب فإنه أوقف العمال وصرفهم دون أن يتمكنوا من إنجاز المتر الأخير .. وبدا الجسر الذي تم إنفاق عدة سنوات لبنائه يتهدم وينهار ويقع في المحيط .. فيما ينقل ترامب عماله لبناء جسر جديد نحو إيران والصين لتعبره أمريكا نحوهم عبور الفاتحين.. فما هي الخيارات المتاحة أمام التيار المتشدد؟؟ هل سيجد طريقة لصرف ترامب كما فعل مع الرؤساء الذين حاولوا التمرد على الدولة العميقة؟؟

هل سيصرفه بفضيحة على طريقة ووترغيت نيكسون أو باغتيال على طريقة كينيدي أو بترويض قاسٍ وتأديب على طريقة بيل كلينتون وقضية مونيكا لوينسكي؟؟ الأيام ستحسم اتجاه الصراع في أمريكا .. ولكن صراعها في سورية وعلى سورية انتهى .. إلى حين .. وجسرها تهدّم .. والى أن تعود فلنا حساباتنا مع من جاء مع الموجة الأمريكية .. وكان يريد بنا شراً .. وإذا ظنّت إسرائيل أن خط عام 1974 جدار سيحميها بعد اليوم فإنها سيدة الأوهام .. فبيت العنكبوت لا يحتاج أن تهزّه عبر خط اشتباك .. فأيّ رياح ستهزه من أي خط .. وتمزقه .. وكما توفي القرار 1701 بصمت فإن اتفاق 1974 صار ميتاً أيضاً بحكم الأمر الواقع حتى لو رعته روسيا وأمريكا .. وهو يشبه الفارس الذي يتكئ على رمحه وهو يعتلي حصانه ليوهم أعداءه أنه حيّ رغم أنه ميت .. ووجود الاتفاق تجميلي لا أكثر وديكور قديم لمعركة حديثة سنعرف كيف نديرها بإتقان .. نتنياهو يصرّ على أن يضع الديكور القديم .. والتحف القديمة ونحن لسنا من هواة جمع الأنتيكا .. فليضع ما يشاء وليتفق كما يشاء .. الزمن لا يعود إلى الوراء .. والروس والسوريون هم سادة الدبلوماسية وبراعتهم في الأزمة السورية لا يُعلى عليها إنها الفن الدبلوماسي الرائع …

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz