انقلاب جديد في تركيا أم صعود سلطاني إلى الهاوية…!

بقلـم “محمـد صـادق الحسـيني”

مرة أخرى تتسارع الخطى في العالم والإقليم نحو مزيد من التحوّل من الغرب إلى الشرق…!

وكلّما حاول ترامب وقف هذا التحوّل عبر خطوات تضييقية وحصارية على خصومه وصولاً إلى حلفائه، ساهم عملياً في عزلة إمبراطوريته الإستكبارية والتعجيل في انتشار مرض الشيخوخة المبكر في جسمها المترهّل أصلاً بسبب ضربات محور المقاومة الكاسرة للتوازنات التقليدية في العلاقات الدولية…!

وها هو آخر ضحايا تهور الأحادية الأمريكية أردوغان يترنّح تحت الضربات الأنانية لسيده ما قد يضطره للدخول في مجازفات تجعل بلاده على حافة خط الزلازل وربما الهاوية …!

يقول أردوغان: نقول للبلد الذي يضحّي بعلاقاته مع شريكه الاستراتيجي من أجل المنظمات الإرهابية «مع السلامة..!».

ويضيف: سنردّ على الذين يشنّون حرباً تجارية علينا بعقد تحالفات جديدة والتوجه إلى أسواق جديدة..!

هنا يظهر السلطان التركي يضيق ذرعاً بسيده الأمريكي، إلى الدرجة التي قد تدفع به للخروج من حظيرته التاريخية…!

ولكن مهلاً…! فثمّـة من يقول إن ما يجري في أنقرة واسطنبول ليس أزمة اقتصادية، بل إنه انقلاب اقتصادي يتبع الانقلاب العسكري الذي فاجأ العالم قبل عامين تموز 2016 وسيؤدي إلى إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية مثلما تمّ إعلانها أمنياً مدة عامين..!

وهذا يعني أن تركيا ستشهد عمليات اعتقالات وإقالات واسعة في أوساط كبار قادة الاقتصاد والمال والأعمال.

وبالتالي سيقود هذا الأمر إلى تغيير أصحاب رؤوس الأموال وإطاحة الطبقة المالكة للمال والإنتاج والتمويل التي لم تبايع السلطان أو تظهر له العداء لتتحول أملاكها وشركاتها إلى الطبقة الموالية تماماً  كما حدث في الانقلاب الإعلامي الذي قاده السلطان وأدّى إلى انتقال ملكية جميع المؤسسات الإعلامية من دون استثناء للطبقة الموالية التي بايعت السلطان…!

الآن بدأ الانقلاب الاقتصادي بتضخيم مفتعل لليرة يتبعه تضخّم كبير في العملة يؤدّي إلى عجز سيولة في الشركات التي ستسعى لتمويل ديونها عبر تحويل الأصول المالية إلى الدولار، لكنها ستفشل في سد العجز النقدي لذلك ستلجأ للاقتراض من المصارف من جديد.

طبعاً المصارف ستسارع للحجز على أصول الشركات العقارية والسندات فتُصاب المصارف هذه المرة بعجز كبير في السيولة النقدية فتلجأ المصارف إلى البنك المركزي طلباً للمساعدة في فك العقدة النقدية.

طبعاً المركزي سيرحب بتقديم الدعم ليرفع من حالة العجز النقدي لدى المصارف الخاصة.

وهنا تتدخل مؤسسة النقد والرقابة المصرفية الحكومية لتحجز على المصارف التي تفشل في إدارة العجز فيتم وضع اليد عليها وتعيين وصيّ من طرف الحكومة عليها.

وهذا يعني أن الوصي سيقوم على الفور ببيع الشركات وأصول الشركات وممتلكاتها المرهونة للمصارف..!

هنا يأتي دور السلطان وحاشيته في شراء كل ما تم حجزه بأبخس وأرخص الأثمان وبأسعار سرّية لا يمكن لأي جهة أو طرف ثالث معرفتها والتدخل بها…!

هل هذا هو سيناريو الانقلاب الاقتصادي الذي وضعه السلطان «لتشليح» عمالقة رأس المال والاقتصاد وكبريات المصارف الخاصة العملاقة وتحويلها جميعاً إلى ملكيته الشخصية أو إلى ملكية حاشيته والموالين له…!؟

ثمّـة مَن يسأل في اسطنبول وأنقرة ؟؟

ملاحظة : قيمة الشركات الكبرى في بورصة إسطنبول 780 مليار ليرة تركي كانت تعادل 195 مليار دولار.

وبعد افتعال حالة الانهيار في سعر الليرة انخفضت قيمة الشركات إلى 120 مليار دولار وكل يوم تنخفض قيمة الشركات بمعدل مليار دولار، سيستمر السلطان في خفض قيمة الليرة إلى أن تتحول القيمة الشرائية للشركات التركية في البورصة إلى الحضيض تماماً، حينها سيتم الحجز والبيع…!

آخرون يقولون ما يشبه هذا، ولكنهم يعتقدون أنه في إطار مشروع ترامب العالمي للتخلّص من دورة المضاربات العالمية التي لا تعتمد الرأسمال الإنتاجي، وبالمناسبة الاقتصاد التركي التجاري والصناعي يعتمد على هذا النوع من المضاربات..!

فيقولون بما أن ترامب يحارب رأس المال اليهودي المضارب والعولمة… ويعمل على العودة إلى إحياء الرأسمالية المنتجة أي الصناعية وليس رأسمالية المضاربات، ولمّا كانت 70 من رؤوس الأموال المتداولة في بورصة اسطنبول هي رؤوس أموال يهودية إلى جانب 63 رؤوس الأموال في الصناعة التركية هي يهودية مضاربة أيضاً.

بمعنى أن الخسائر الرئيسية التي ستنجم عن أي أزمة مالية واقتصادية في تركيا سيتحمّلها رأس المال المُشار إليه أعلاه.

ولمّا كان أردوغان شخصياً قادر على شراء كل هذه الأصول من خلال أموال النفط العراقي الذي تمّت سرقته مع البرزاني حصة أردوغان 120 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية، بالإضافة إلى نفط داعش المسروق من قبل أردوغان حوالي 60 مليار دولار …!

فعليه تتكامل هنا رؤيتا ترامب مع أردوغان في خضمّ حفلة حروب اقتصادية مفتوحة افتتحها ترامب لغاية في نفس «أمريكا أولاً »التي يسعى إليها ملك الاستكبار العالمي منذ أن تولى السلطة في واشنطن..!

أياً تكن الرواية الحقيقية لما يحصل بين واشنطن وأنقرة، فإن على أردوغان أن يوقف حفلة التذاكي والتذبذب في المواقف وليعلم جيداً بأن مصير حكومته ودولته ومجتمعه اليوم رهن بانتخابه الخيار الصحيح الوحيد، ألا وهو التوجه الجدي والمستقيم شرقاً…حيث إلى هناك ينتقل مركز العالم…!

إذا كان ثمّة من دور لتركيا يبحث عنه فهو في انتقالها المنظّم والواعي لمحور الشرق المناهض للأحادية الأمريكية..

وإذا كان ثمّة من هوية يبحث عنها بعد تخبّط يكاد يقترب من المئة عام فهو أيضاً في انتمائه الجدّي والحقيقي للشرق الصاعد..

وإذا كان ثمّة من مشروع يفكّر فيه لنفسه ولبلاده، فلن ينمو ويتقدم ويتبلور إلا بأحضان الشرق وكتلة الأوراسيا والتكامل مع دولها التي تسارع حالياً لتشكيل محور شنغهاي للأمن والتعاون مقابل محور واشنطن للشر والتصادم..!

وقبل كل هذا وبعده الاعتراف بخطئه القاتل في سورية، وسحب جيشه المحتل من المستنقع السوري قبل أن تحلّ لعنة الله على الظالم…! إنها السنن الكونية التي لا مهرب منها.

بعدنـا طـيّبين، قولـوا الله …

البنـــاء       

                                                                    

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz