المصالحات ..هزائم أم انتصارات ؟!

 بقلم : “يامـن أحمـد”

ما تزال المصالحات نصراً مُلثماً يشقّ جُموع وجوه أدركتها الدهشة والحيرة من سطوة السلام المُخضّب بالدم، هكذا تبدو المصالحات في أنفس السوريين، حيث تُترجم على أنها غُفران للقتلة.

ويتوقف السوري عند هذا الرأي ليشعر بأنه فقد الثقة بالدولة لأن الرؤية الفكرية لم تقتحم متاريس الحُجب كي تستطلع الحقيقة.

الحلّ لا يستطيع أن يتبنى رؤية خاضعة للإنفعال لأن الاستحواذ على الواقع المُخترق مِن قِبل العدوان العالمي هو العمل الفكري الذي وجب أن ينتصر لأنه يُمثل الفعل المنزوع من شهوات الإنتقام والذي يتغلّب على ضراوة العجز العقلي ويتقدّم كي يقود الأمة من المجهول إلى الوجود فلا يقودها ضمن المخطط بل إلى خارجه وهذا ما تفعله العقول القيادية.

أما العقول التي تخضع للتأثر المُنغلق فلن تتمكن من الخروج من دائرتها الذاتية وهي بهذا لا تستطيع الخروج من الحرب..

إن ما لا يعلمه الكثير من السوريين هو أن السعي الأمريكي والإسرائيلي في العدوان يوجب على العدوان ألا تنتهي الحرب وأن يبقى الصراع دائراً لقتل الروح الاجتماعية بين السوريين لأن بقاء طواحين الدم التي تعمل إلى جانب التشويه الإعلامي والفِتن هي كفيلة بتدمير المجتمع السوري وسحق أي فكرة لعودة سورية أقوى.

وعند هذه الحقيقة نُدرك بأن من يُعارض المُصالحات ما يزال يراوح ضمن المُخطط لأن المهمة العقلانية والقومية تتطلب الخروج منه وليس الدوران في فلكه ..

الكثير من العقول تؤمن بأن الحرب على سورية قائمة لأجل النفط فقط، إنما هي في الحقيقة تعمل على نفي العنصر السوري أيضاً .

إسرائيل تريد إنتقاماً سرمدياً لهزائمها في 73 والثمانينات في بيروت وتموز، أخيراً فهي تنتقم من جميع السوريين في الحرب الدائرة على الأرض السورية لأنهم جميعاً ينحدرون من أجداد وآباء قاتلوا إسرائيل وانتصروا معاً وهم أحفاد من صرعوا العدو الصهيوني سابقاً.

إلا أن العدو نجح في نقل العداء القومي السوري مع العدو الصهيوني إلى عِداء سوري سوري يُهدد الأمن القومي السوري وهنا تكمن مهمتنا في تحصين الأمن القومي عبر المصالحات بعيداً عن الغفران لقادة التحريض والجريمة فهؤلاء لا تشملهم أيّـاً من المصالحات وبخاصة داعش وجبهة النصرة .

إن ما لم يُدركه الذين يُحاربون المصالحات هو أن الحرب هي حرب وعي اجتماعي وليست سلاحاً فقط وما لا يعلمه البعض أيضاً هو أن المُصالحات يفرضها الجيش العربي السوري انتصاراً لأن إيقاف الحرب هو أيضاً انتصار ولهذا نرى تشويشاً في الرؤية وسببه عدم تفسير المصالحات بالتماهي مع حجم الحرب العالمية رغم أهميتها العميقة والمؤثرة في هزيمة المشروع الأمريكي العالمي لنسف المجتمع السوري أخلاقياً ووجودياً..

إن إفراغ سورية من البشر وجعلها المساحة التي يتحد فيها الناتو وإسرائيل هي أولوية أمريكية إسرائيلية وبهذا يتم فصل كل من روسيا وإيران عن المتوسط فيندثر أي ذكر لقوّة مقاومة مؤثرة ضد إسرائيل لأن دمشق انتهت عندها ولن يقوم بعدها للمحور المقاوم قائمة ..

وما يريده الأمريكي أن ينتصر السوريون على السوريين حتى يتمكن من إبقاء فالق اجتماعي وسياسي يهزم الروح الاجتماعية السورية.

ولهذا فإن حقق النصر هزيمة جزء سوري فهو نصر غير متكامل وقد حقق شروط هذا الفالق وهكذا نساهم في صنع ورقة مستعدة للتجاذب مع الخارج وتضيع بهذا قدرة العاصمة دمشق بين نزاعات الأطراف وتنتقل دمشق من العاصمة المؤثرة إقليمياً ودولياً إلى المتأثرة بتقلّب السياسات المحيطة والبعيدة.

ولهذا نحن لا نريد نصراً ينتصر فيه سوري على سوري كي تُهزم سورية في النهاية، بل نريد أن تنتصر سوريا مُجتمعة على الإرهاب والفكر الإقصائي ولأجل هذا ندعم المصالحات في صالح الأمن القومي وليس في صالح الفكر الذي يعتنقه العنصر المسلح.

ففي النهاية نحن نريد عودة البيئة التي اختُرقت من المُخطط بسهولة وليس العنصر القيادي المُسلح والمُحرّض ويجب أن نعلم بأن الخطر الذي وجب معالجته ليس العنصر المسلح العائد فقط بل القضية أعظم منه وهي البيئة الهشّة الضعيفة القابلة لأن تكون أرضية للأعمال الإستخباراتية المُعادية وهنا تبدأ حربنا الفكرية.

فإن دققنا في الوضع الأمني السوري سوف نجد بأن معظم البيئة المُخترقة كانت تقبع حدودياً مع الكيان التركي والكيان الأردني ولهذا فإن الخطورة ليست عادية ولهذا فإن المصالحات باب أوّلي لولوج الحرب الفكرية فلا يُستهان بما حدث وبخاصة ما قدّمه الإنفصاليون الأكراد للمُخطط و الذين وظّفوا أنفسهم ليكونوا ورقة بيد الأمريكي.

فقد شكلوا خطراَ أساسياً حتى أن قوات الإحتلال الأمريكية لم تجد أماناً إستراتيجياً لقواعدها إلا بوجود الأكراد الإنفصاليين فهؤلاء إبتلعتهم شهوتهم الإنفصالية ولذلك يجب أن نأخذ في الحسبان حجم التهتك الذي أصاب النسيج السوري وبأن المهمة الأقدس تتجلّى في توحيد الصف السوري بعد تبيان الحقائق بكل شفافية.

فقد وجب أن يعلم الضائعون بأن الخارج اتخذهم هزواً وخدعهم عمداً وبأن عودتهم إلى الدولة السورية هي هزيمة للمشروع الخارجي وليست هزيمة لهم هكذا نكون جميعاً منتصرون لأجل سورية..

لم يفتح الغرب أبوابه لاستقبال السوريين حباً بهم وكان الأجدر أن يفكّ الحصار عن من يريد استقبالهم، ولن يفعل ، تنفيذاً لمُخطط إفراغ سوريا وحضّهم على الهجرة خوفاً من “المجهول الذي ينتظرهم” وكي تصل الكراهية عند بعض السوريين الضعفاء إلى أن يشاهدوا في العدو الصهيوني “المُنقذ الإنساني” بعد أن يسوّق الغرب وأتباعه بأن الدولة السورية هي من تحاصر بعض السوريين ..

أثناء عمليات الإقتحام والتمشيط في درعا تم العثور في حوزة خلايا قيادية للمسلحين على قائمة اغتيالات تضمّ أسماء بارزة في عمليات التفاوض التي تسعى على تحقيق المصالحات بالتنسيق مع الجيش العربي السوري.

أي أن المصالحات لا تتماهى مع سياسات الحرب التي فُرضت على سورية والسوريين.

فإن لم يرضَ بعض العقلاء بأن المصالحات تُحاكي حجم الحرب وتلجم واقعيتها وتحيك الشرخ الاجتماعي فليقرأها على أنها حالة أمنية تمنع الأطراف الخارجية من إيجاد ثغرة آمنة كي تحارب سورية في قلب دمشق..

كما أن المصالحات ساهمت في تضييق الجبهات القتالية ووجهت السلاح نحو داعش وجبهة النصرة وأظهرت الحالات العدائية حين فصلت بين المتطرفين الذين أصرّوا على الإحتراب من جهة وبين الضائعين الذين عادوا إلى أنفسهم من جهة أخرى..

يا بن أمتي أن نقبض على جمر الحسرات أعظم شرفاً من أن يقبض على رقابنا الأقزام والخونة .

فمن يظنّ بأن سورية مارست “حكمة” الضعفاء فهذه هي الأرض شاهد لا ينطق عن الهوى فقد طُحنت جماجم القتلة في كل مكان من سورية كما بُعثت الحياة في ذات الأمكنة، هكذا يحمل الحكيم الشجاع سيفه المتّقد حكمة .

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz