طريـق الآلام هـي ذاتهـا طريـق الانبعـاث

بقلم: (د. أحمد الحاج علي)

عند لحظة الذروة في الأحداث الكبرى الناظمة والحاكمة تتكشف أبعاد التحولات الجارية وتشكل هذا السفح المتدرّج نحو الصعود, وعند القمة تبدأ حالة منهجية من استطلاع المدى القادم في مسار ومصير الحدث الكبير, وتبدو هنا إمكانية أن نقوّم ما كان بكل ما فيه من عثرات ونهوض وسلبيات وإيجابيات وفي ذات الموعد نطلّ على ما هو قادم أو بمعنى واسع ما يجب أن يكون.

وهكذا فإن للتحولات الكبرى ذروتها وهي النقطة الفاصلة ما بين وقائع ونتائج مضت وما بين وقائع ونتائج تتشكل على خطى المستقبل الظاهر أو البعيد , وللأمم الحيّة شأنها في هذه المعالجة التاريخية فلا تغادر ماضيها  ولا تدخل مستقبلها تحت إيقاع العتمة والمجهول.

وهنا يبدو أن الحالة التي مازال الوطن السوري يمرّ بها هي من تشكيلات وتطبيقات هذه النظرة التأسيسية , فلا بد أن يبقى في البال وفي الذاكرة مشوار الألم عبر تراكم السنين العجاف ليكون ذلك حافزاً يقينياً بأن المصاعب والمصائب ليست كابوساً يُهدّد الشعب الحيّ بل هي دوافع متبلورة رغم جراحاتها للثقة بأن القادم أفضل وبأن إيقاع الحياة سوف يحمل في طياته هذه المرة وقوداً جديداً لتعميق الثوابت وللاختيار الأفضل ولبناء متطلبات المستقبل على قواعد متبلورة وشديدة الرسوخ وعميقة الجذور.

إن هذه الأفكار ليست مجرّد مؤشرات فلسفية وإن حملت هذا الطابع الفلسفي ولكنها مهمّات تقويم من شأنها أن تستخرج الدروس والعِبر وأن تستنتج كل المواد الإنسانية اللازمة للإبحار تحت الأضواء الكاشفة وعبر الثقة بالذات وبالخطوات المطروحة وبالنتائج المرجوة .

ومازلت أعتقد بأن هذا المذهب في الرصد العلمي والتوثيق الإنساني والتحليل المنطقي, ذلك كلّه من خصائص الوطن السوري منذ القِدم وحتى اللحظة الراهنة, و هذا ما أهًـل سورية العربية لكي تُنجز مقاطع تاريخية ثلاثة أولها مقطع استيعاب الصدمات الكبرى بدرجة عالية من الصبر وبدرجة أعلى من البحث عن الاستفاقة من الصدمة بدلاً من التسليم بها.

وثاني المقاطع هو مقدرة تشكيل المقدّمات للتمرّد على الصدمات والبدء بإعادة تنظيم القوة والقوى في مسعى واضح لالتقاط الأنفاس وللعمل ببصيرة نفّاذة تُمسك بمقوّمات الوطن الكبرى وتدرك أهمية تجميعها من جديد.

وفي المقطع الثالث تُنجز سـورية العربية بجدارة هذا المدى الذي يتحوّل بالطاقة البشرية من التجميع إلى التفعيل وفي أصول هذا المقطع تجري عملية إنتاج الصدمة المُضادة التي من شأنها أن تٌدخل قائمة العدوان والأعداء في حالة من السلبية والنكسة وصولاً إلى مرحلة إلحاق الهزيمة بهما.

إن إدارة البصر والبصيرة والتفاعل الحي مع الواقع القائم يعطينا هذا الأفق في مصداقية المقاطع الثلاثة سالفة الذكر. والكثيرون في داخل الوطن ومن خارجه يصلون الآن إلى درجة الذهول والانبهار أمام تطوّر المعارك القاسـية ولكن نسبة بسيطة وقليلة من مالكي الوعي والتجربة التاريخية هم الذين يوقنون بأن المعاناة و الآلام هما طريق تشكيل الذات تحت العاصفة وفي طياتها وهما التعبير الأوفى عند الشعب الحي عن الخروج من النفق إلى مجالات النور والانتصار وانبعاث الذات على قيم وقواعد راسخة هذه المرة.

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz