عالــم ما بعـد الغــرب ..

بقلم تيري ميسـان

لم تكن إدارة الأمم المتحدة تأمل إبّان الإعداد لدورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في حلّ المشكلات الدولية، بقدر ما كانت تفكّر بإيجاد السبل التي من شأنها إثارة صِدام بين مؤيدي ومعارضي “ترامب” لكن ما حدث كان أمراً مختلفاً تماماً.

لاشكّ أننا شهدنا منافسة كلامية بين ترامب من جهة، وماكرون من جهة أخرى.

ولم ينتهِ هذا السجال إلا في اليوم الرابع بمداخلة “سيرغي لافروف” التي أعلن فيها عن ولادة عالم ما بعد الغرب.

وبالعودة إلى الموضوعات الجوهرية، أيّ الأسباب التي أفرزت المشكلات الحالية، أعلن لافروف: «من ناحية، نرى توجهاً نحو تعزيز مبادئ تعددية مراكز النظام العالمي وتطلّع الشعوب نحو الحفاظ على السيادة ونماذج التنمية المتوافقة مع هوياتهم الوطنية والثقافية والدينية، ومن ناحية أخرى نلاحظ رغبة العديد من قادة الدول الغربية في الحفاظ على وضعهم، المُعلن، “كزعماء للعالم” وإبطاء عملية موضوعية لا رجوع عنها، بإرساء دعائم التعددية القطبية».

مـن هنا، لم يعـد يعني موسـكو مهاجمة الولايات المتحدة، بل الغـرب برمّتـه.

وقد ذهب لافروف إلى حدّ رسم خط متوازٍ مع اتفاقية ميونخ لعام 1938، في ذلك الوقت كانت فرنسا وبريطانيا متحالفتين مع ألمانيا وإيطاليا.

لاشكّ أن شعوب أوروبا الغربية تنظر في الوقت الحالي إلى هذا الحدث على أنه موقف جبان من فرنسا وبريطانيا نزولاً عند مطالب النازيين لكنه لا يزال منقوشاً في الذاكرة الروسيّة على أنه الخطوة الحاسمة التي أشعلت الحرب العالمية الثانية.

وفي حين كان مؤرخو أوروبا الغربية يسعون لتحديد من الذي اتخذ قرار الحرب، كان المؤرخون الروس يرون شيئاً واحداً فقط: لم يتحمّل أيّ من الأوروبيين الغربيين المسؤولية.

وبالتوسّع أكثر بانتقاداته، لم يندّد لافروف بالتطاول على القانون كما أوضح الرئيس حسن روحاني، بل بالتمادي على البنى الدولية.

وأشار إلى أن الغربيين يعتزمون إجبار أمم على الدخول بتحالفات عسكرية ضد إرادتها، وتهديد بعض الدول التي تتطلع لاختيار شركائها بنفسها، واختتم لافروف كلمته بالتأكيد على أن كل ما أشاعه الغرب من فوضى، لم يمنع بقية العالم من التعاون والتنمية، وذكًر بنجاح «الشراكة الأوراسية الموسّعة» التي تحدث عنها بوتين في منتدى فالداي عام 2016، لاستكمال «الحزام والطريق».

هذه المبادرة الواسعة، التي لم ترحّب بها في البداية إلا الصين تدعمها الآن منظمة معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي ورابطة الدول المستقلة وتكتل بريكس ومنظمة شنغهاي، ومن ثم فإن المقترحات المُضادة التي قدّمتها أستراليا واليابان والاتحاد الأوروبي ولِدت ميتة.

وفي حين جرت العادة لدى المسؤولين الغربيين على الإعلان عن خططهم مُسبقاً ومناقشتها لاحقاً اعتاد الروس على عدم الحديث عن خططهم إلا عندما تُطرح على النقاش ضماناً لتنفيذها.

وباختصار فقد فشلت إستراتيجية احتواء روسيا والصين طوال قرن من الزمن، وتحوّل مركز ثقل العالم شرقاً، ليس ضد الغرب بل نتيجة أخطائهم.

  • الــوطـــن

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz