حُريّـة المُعتقـد فـي الدولـة الوطنيـة الحديثـة (1)

  • ( الإيمـان مقابـل التديّـن ) :

يرى عدد من المفكرين المعاصرين أن التديّـن عموماً هو بمثابة علاقة “إيمانية” بين الفرد وخالقه ويرون بالتالي أن بمقدور أي فرد في المجتمع أن يؤمن بما يشاء شرط ألا يؤثر هذا سلباً على باقي أفراد المجتمع أو باقي المكونات المجتمعية المغايرة بما في ذلك حقهم في الاحتفاظ برؤية دينية وروحية مختلفة.

قد يكون في هذا الرأي شيء من الصِحّة على الصعيد النظري البحت. لكنه يمثل رؤية قاصرة وتبسيطية للأمور ويتجاهل الكثير من القضايا الجوهرية ذات الصلة وأهمها الفارق الكبير جداً بين الإيمان والتديّـن. فهما ليسا أمراً واحد وليسا متلازمين بالضرورة, بل قد يكونا متعارضين تماماً.

بداية, لا بدّ لنا أن نتذكر أن لكل شعب أو أمة أو جماعة إنسانية “روح وذاكرة جمعية” تماماً كما لكل إنسان روح خاصة به.

وقد عرفت المجتمعات البشرية عبر حضاراتها المختلفة أنماطاً مختلفة من الأديان , إذ نادراً ما نعثر على شعب لم يكن له تعلق روحي بمعتقد ما أو آلهة معينة أو مرجعية روحية تُحظى بقدر من القداسة والتقديس لدى جموع الناس.

وغالباً ما يتم التعبير عن هذا الانتماء الروحي عبر عدد لا متناه من الحكايات والقصص والأشعار والأدبيات والفن والرموز والطقوس والفلكلور الشعبي بكل غناه وألوانه إضافة إلى الأمثال الشعبية والأزياء التقليدية والحِكم والأمثال والأخلاق, لتشكل في مجموعها التراث الشعبي والذاكرة الجمعية وطريقة الحياة الخاصة بكل أمة أو شعب أو جماعة.

ثانياً, علينا أن نعترف بأن الأديان عموماً ما كان لها أن تحقق هذا الانتشار الواسع لولا صبغتها الجمعية السلطوية. فمعظم الأديان السائدة لم تنتشر عبر الايمان الفردي الحر بقدر ما كانت نتاجاً لتغييرات وتحولات كبرى كالحروب أو الفتوحات أو غير ذلك من المتغيّرات الشاملة. قد يظن أتباع أي تيار ديني بأن دينهم هو دين الفطرة الطبيعية, لكنهم ينسون أو يتجاهلون أن هذا تماماً ما يقوله الآخرون ويعتقدون به أيضاً. فكلُ يزعم احتكار الحقيقة المطلقة ويرى صِحّة معتقده بينما الحقيقة, في الواقع, هي مجرد بحث دائم لا ينتهي عن هذه “الحقيقة”. وهكذا هو الحال بالنسبة للمعتقدات الدينية فكلها أو معظمها قد اتخذ مسارات طويلة من التطورات والتحولات حتى وصلت إلى وضعها الحالي. وهذا الوضع بدوره ليس نهائياً وليس مطلقاً, بل سـيخضع للمزيد من التحوّلات والتطورات تبعاً لحركة الحياة والفكر والتطور الحضاري.

يتبـــع …..

( زينــب صـالــح ).

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz