” الاحتقار المناسب في المكان المناسب .. الخاشقجي ليس غيفارا “

بقلـم ” نـارام ســرجون “

رغم احترامي لهيبة الموت وإحجامي عن إهانة أي ميت حتى وإن كان عدوي فإنني لم أكن قادراً على أن احترم المبالغة في تبجيل الراحلين وإلباسهم ثياب الصالحين وهم لا يستحقونها ..

فكلما زاد التبجيل وزاد عن حده صار إيذاء وإثقالاً على الضمير.. للأسف لم يفعل مقتل الخاشقجي شيئاً إلا أنه زاد احتقاري للضمير الغربي.. لأن هذا الكمّ الكبير من النفاق وذكر محاسن القتيل كما لو كان غيفارا والسخط والغضب والعقوبات والعنتريات في قضية الخاشقجي ليس من أجل إهانة السعودية وليس لأن موت الخاشقجي وَخَزَ ضمير العالم الحر .. فضمير العالم الحر فولاذي ويرتدي دروعاً من فولاذ لا تخترقه الإبر الصغيرة لأرواح الأطفال والأبرياء..

هذا الاهتمام والرعاية والضمير الذي علا صوته لم يظهر إلا بعد موت رجل تافه .. حديثه تافه وتاريخه تافه .. ولاشيء فيه ولا قيمة إلا أنه يكتب في الواشنطن بوست الصهيونية.. ومن الواضح أن المتصارعين يتراشقون بجثته وأعضائه ويصنعون من عظامه سكاكين لنحر البقرة الحلوب.. كلٌ يرمي خصمه بقطعة من الخاشقجي ليصيب منه مقتلا..

أردوغان يرمي جثة الخاشقجي على بن سلمان وأبيه .. فيما يلتقطها منافسو ترامب ويرشقونه بها على أساس أنه هو من يتعاون مع آل سلمان في السعودية.. ويهرول الغربيون كلٌ بدوره ليلتقط قطعة خاشقجية ويرميها على أحد الخصوم أو يعلّقها في كعبة حقوق الإنسان كقميص عثمان .. ويطالبون بمحاسبة العهد الجديد لأنه انتهك المحظورات.. وكأن البدائل كانت أفضل أو أن من سبق كان أكثر عقلانية.. وكلنا لا ننسى أن زمن عبد الله (الراحل أبو متعب) هو زمن المذابح في العراق وسورية وليبيا واليمن.. وزمن فهد هو زمن عواصف الصحراء ومقتلة العراقيين الكبرى التي انطلقت من أراضيه وبماله ..العالم ينام بين الجثث المنتشرة على طول الأرض العربية.. وباب المندب صار أحمر من لون الدم اليمني في الحديدة وغيرها.. ولكن لاشيء حرّك الضمير العالمي إلا دم الخاشقجي .. رجل تافه بوزن 35 مليون إنسان يمني.. وبوزن ملايين السوريين والعراقيين والفلسطينيين والليبيين..

إذا كان الشعور بالعدالة يأتي من أنصاف الحقيقة فان ما هو أعظم هو أن تضع احتقارك المناسب في المكان المناسب.. فكل ما في هذه القصة حقير حتى الثمالة.. القاتل والمقتول والمحقق والمفتش والباكي والنادب والجلاد والادعاء والمحكمة والحُكم والناطق به.. وهذا العالم المنافق الأفاق  ..

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz