حرية المعتقد في الدولة الوطنية الحديثة (2)

2-(الدين والهويـة) :

كما ذكرنا آنفاً, نلاحظ أن كل واحدة من الجماعات الدينية أو غير الدينية قد طـوّرت عبر مسيرتها التاريخية الطويلة, منظومة كاملة من الطقوس والشعائر والعادات والأعراف والتقاليد والأزياء والنشاطات الاجتماعية والاقتصادية الخاصة بها والتي تشكل بمجموعها ما يُعرف باسم “الهوية” التي تميّز أتباع هذا المعتقد أو ذاك عن سواهم من باقي المكونات المجتمعية الأخرى.

وحتى عندما يحدث أمر جلل ما أو أحداث كبرى تؤدي إلى تغيير جوهري في المعتقد، أي عندما تعتنق أعداد كبيرة من الناس معتقداً جديداً, فإنها غالباً ما تُحافظ على الكثير من صفاتها وخصالها في الروح العامة للمجتمع.

إذ غالباً ما يحتفظ الوجدان الجمعي “بروحه الجمعية” عبر ديناميات وآليات مختلفة. فالروح الجمعية قد تمرّ ببعض التحولات لتوائم البيئة الجديدة أو الوضع الجديد لكنها لا تموت, بل تبدل من تمظهرها ومن طريقة تعبيرها عن نفسها.

هذه الصفة الجمعية للأديان هي سلاح ذو حدين أثار وما يزال يثير الكثير من الجدل الفلسفي والاجتماعي.. وبات يطرح الكثير من الإشكاليات.

فالأديان ذات الصبغة الإيديولوجية الشمولية تسعى لفرض هويتها على كامل أفراد المجتمع ولو بالقوة وتفرض بالتالي حضورها الطاغي لا على الأفراد وحسب بل على باقي المكوّنات الدينية الأخرى كتعبير عن انتصارها وظفرها وسطوتها.

ولضمان انتظام الجميع في هذه المنظومة غالباً ما يتم فرض قوانين وتشريعات معينة تزيد أو تنقص في شدتها حسب الفترة التاريخية أو المجتمعية أو غير ذلك من العوامل المتعددة.

وبالرغم من ضرورة هذه الصفة لتنظيم أمور المجتمع, إلا أنها غالباً ما تنتهي إلى نوع من القسرية والإقصائية. فالأديان الشمولية لا تقبل بأن تكون مجرد إطار أخلاقي وثقافي, بل تسعى لفرض شريعتها كنظام عام وشامل يتدخل أحياناً بأدق تفاصيل الحياة اليومية للفرد والمجتمع.

ومن هنا تبرز الإشكاليات العديدة ومن بينها الفارق الكبير بين الإيمان والتديّن.

فالإيمان هو التعبير الروحاني الحر للفرد بالانتماء إلى عقيدة معينة, بينما التديّـن هو الخضوع الظاهري لمتطلبات الدين السائد من تأدية للفرائض وأمور العبادة أو الواجبات إلى الانضباط التام بالتعاليم والأحكام, وما إلى ذلك من مظاهر سلوكية وممارسات عملية .

لكن هذا, إضافة إلى أنه يخلق عدداً كبيراً من المنافقين, فإنه يخلق أيضاً الكثير من التناقضات المجتمعية التي تؤدي في الغالب إلى الصِدام بشكليه الاجتماعي السلمي والعنفي المسلح.

يتبــــع ……

( زينـب صـالـح ).

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz