تهريب الغازات السامة

صرّح رئيس مركز المُصالحة بين الأطراف المُتحاربة في سوريا اللواء “فيكتور كوبتشيشين” خلال الأيام القليلة الماضية ، أنه تمّ رصد تخزين مواد كيميائية خطِرة في مدينة سراقب، من الممكن استخدامها في استفزازات كيميائية جديدة في مناطق خفض التصعيد بإدلب.

هذا ليس التقرير الأول للجيش الروسي الذي يُظهر أن بحوزة الإرهابيين المواد السامة والسلائف اللازمة لإنشائها.

ولكن، كالمعتاد تقوم وسائط الإعلام، “الرأي العام في الغرب” بإلقاء اللوم بالكامل على القوات الحكوميّة على الحوادث التي تنطوي على استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا.

علماً بأنه لا تظهر معلومات تتناقض مع هذا الموقف في وسائط الإعلام الأجنبية إلا في بعض الأحيان، ولكنها لا تجذب الكثير من الاهتمام ، لأنها لا تتلاءم مع الصورة التي يسعى الغرب لتقديمها للعالم . في حين ، أن لهذا البيان الروسي أسـباباً وجيهة :

في شباط من هذا العام ، تم في بلجيكا إجراء تحقيق في توريد سلائف السارين إلى سوريا من قِبل ثلاث شركات بلجيكية:

( A.A.E. ChemieTrading, Annex Customs и Danmar Logistics )

قامـت بإرسـال أكثـر من (77) طن من الأسـيتون و (168) طـن مـن الإيزوبروبانـول ، و (219) طـن مـن الميثانـول  و (21) طن من ثنائي كلورو ميثان. وكان من اللافت للنظر كميّات الإيزوبروبانول “المعروف أيضاً باسم الكحول”.

و الإيزوبروبانول وفقاً للمعايير الروسية ، فإنه ينتمي إلى المواد من فئة الدرجة الثالثة بالخطورة.

ويستخدم الإيزوبروبانول على نطاق واسع في الصناعة الكيميائية لإنتاج الدهانات والمطهّرات. و يمكن مقابلته في أشياء مألوفة مثل المناديل الرطبة وسائل غسـيل الزجاج الشتوي.

لكن نفس المادة هي سـلائف ضرورية ، وبدونها يكون تركيب غاز الأعصاب القاتل مسـتحيلاً.

بالتالي كان تدمير المخزونات الحكومية من الإيزوبروبانول أحد المتطلّبات الرئيسية لبرنامج القضاء على الأسلحة الكيميائية في سوريا.

في أيار 2014 م، أكدت البعثة المشتركة للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تدميرهما الكامل لهذه المواد.

بعد ذلك مباشرة ، بدأت شركات بلجيكية إمداداتها الجديدة إلى سوريا ، متجاهلة نظام العقوبات الخاص بها وحظر الأمم المتحدة. ولم يبدأ التحقيق ضدّهم إلا بعد هجوم كيميائي في خان شيخون في نيسان 2017 م.

ولم يثر هذا الإنذار المنظمات الحقوقية الإنسانية والمراسلين الصحفيين. الشركات في دفاعها قالت أنها تزوّد العملاء الخاصين بهم بالمواد الكيميائية ، ولم يكونوا على عِلم بالحظر.

غير أنهم لا يستطيعون أن يفهموا أنه حتى توريدها لشبكة من العملاء القدامى يمكن أن تقع بأيدي المنظمات الإرهابية ويقوموا باستخدامها للحصول على مواد سامة خطيرة. خاصة أن هذه الإمدادات ، استمرّت حتى كانون الأول 2016 م. في خِضمّ هجوم داعش وغيره من المجموعات الإرهابية خلال المعارك الأكثر شراسة.

في حين فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حظراً على إمدادات الأدوية والأدوية الحيوية للمستشفيات الحكومية السورية. في نفس الوقت, الشركات البلجيكية أرسلت أكثر من (20) شحنة من السلائِف المُستخدمة في إنتاج مواد كيميائية سامة للمناطق التي لا تسيطر عليها الحكومة السورية.

وغضّت السلطات الجمركية والتنظيمية التابعة للاتحاد الأوروبي الأنظار لسنوات عن الشركات البلجيكية عبر إرسالها السلائِف إلى سوريا لاستخدامها في صناعة الأسلحة الكيميائية بسهولة تامة. أمرت المحكمة بدفع غرامات تصل إلى (500) ألف يورو على كلّ من تلك الشركات والحُكم على مديري شركتين بالسجن لمدة أربعة أشهر والثالث 12 شهراً.

هذه العقوبات لم تُفرض على صِلتها المُحتملة بإنتاج الأسلحة الكيميائية ، بل على انتهاك نظام مراقبة الصادرات.

وقالت السلطات الاتحادية البلجيكية أنه ليس لديها معلومات تفيد بأن الإمدادات استُخدمت في سوريا للقيام بأعمال غير قانونية.

فمن الواضح أنها لا يمكن أن تتحقق من هذا الأمر على الفور ، عِلماً بأنها تتبع كذلك مصير كلّ من أكثر من (20) دفعة من المواد الكيميائية.

في محافظة إدلب، التي يسيطر عليها إرهابيو جبهة النصرة ، من الواضح أنهم لا يستخدمون هذه المواد للإنتاج الصناعي كالدهانات.

مع ذلك ، وفقاً للمركز الروسي للمصالحة بين الأطراف المُتحاربة في سوريا ، ما تبقى من الإيزوبروبانول التي تم الحصول عليها من بلجيكا لا يزال يُخزّن في مدينة سراقب بإدلب، ولا شيء يحول دون استخدامه لإنتاج السارين من قِبل الإرهابيين أو لمحاكاة آثار استخدام السارين.

بعد صدور الحُكم من المحكمة البلجيكية وجد صحفيون سويسريون يعملون في الصحف السويسرية :

(Le Matin Dimanche, SonntagsZeitung и Tribune de Genève)

أن الإيزوبروبانول تـمّ توفيره من خلال بلدهم إلى قطاع الصناعات الدوائية الخاصة السورية لشركة البحر الأبيض المتوسط للصناعات الدوائية.

كما تم استخدم بلد وسيط لنقل (5) أطنان من الإيزوبروبيل من ألمانيا وعدّة مئات من الكيلوغرامات من الديثيلامين من بلجيكا إلى سوريا.

وكما أن لهذه المواد استخدامات مدنية عديدة ، إلا أنها أيضاً مُقدّمة لإنتاج مواد كيميائية سامة ، و هذه الشحنات تم تسليمها بعد تدمير الاحتياطيات الكيميائية السوريّة في عام 2014 م .

هذه ليست قائمة شاملة بالانتهاكات. فوجهة نظر الاتحاد الأوروبي خلال تناوله الأحداث في سوريا مُعتمدة مسبقاً ، فيقوم بالتغاضي عن حقائق عملياتهم المشبوهة ومعاملاتهم في بلد مُتحارب ، حيث يُفضّل الاتحاد الأوروبي عدم الإعلان عنها.

ومع ذلك ، فإن الفضائح عن إمدادات المواد الكيميائية تؤكد مرة أخرى أن الغرب ليس طرفاً مُحايداً غير مهتم في هذا الصراع.

حتى الحكومات الأوروبية لديها ما تخفيه في هذه الحرب ، ولذلك لا يمكن أن تكون حَكمَاً مسـتقلاً يمكن الوثوق بكلماته دون قيدٍ أو شـرط.

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz