اقتصاد الحرب أم حرب الاقتصاد؟ الحرب والاقتصاد. (الجزء الثاني)

عندما تقع حربٌ في دولة ما، يتم تسخير كافة الموارد والميزانية والناتج القومي والقدرات البشرية والمادية لخدمة المجهود الحربي، والهدف تحقيق النصر.

تعملُ هذه الدولة على تقوية اقتصادها قبل وأثناء الحرب لتجاوز الأزمة، وتحقيق استقرار داخلي في السوق المحلية، لدعم الجيش والإنفاق عليه، بالمقابل يتم تخفيض النفقات الثانوية الأخرى لتصبح ضمن الضروري مع إيقاف الأنشطة الاجتماعية الترفيهية أو التنموية…

اقتصاد الحرب يكون بمعظمهِ استهلاكياً، بينما يكون إنتاجياً فقط في مستلزمات الحرب.

لهذا من الطبيعي أن تعاني الدولة من نقص السلع والمنتوجات في الأسواق، تبعاً لشراسة الحرب ومدتها، وتأثير الدولة أو الدول المعادية على استيرادها للسلع الاستهلاكية في حال نضوبها.

هنا يظهر دور رجال الأعمال والأثرياء والتجار في احتكار السلع لتحقيق الربح، أو تظهر وطنيتهم ويبتعدون عن الاحتكار مفضّلين مصلحة الوطن على مصالحهم الشخصية.

كما تظهر قدرة ونجاح الحكومات أو فشلها في نظامها الاقتصادي السابق والمرافق للحروب، ومدى انتشار الفساد أو الشفافية في تعاملها مع الوضع الاستثنائي.

عندما تدخل الدولة الحرب، يجب أن يتحوّلُ اقتصادها إلى “اقتصاد حرب”، فتكون ملزمة بتأمين المواد الأساسية للشعب والجيش معاً وهي الغذاء والوقود والدواء والسلاح.

الحكومة التي تفشل في ذلك، تتحوّلُ إلى “حرب على الاقتصاد”، فتشحّ المواد الأساسية ويعاني الشعبُ والجيش، مقابل توفر حتى المواد الترفيهية لدى “أثرياء الحرب” ، وهذا يقود لخسارة الحرب أو حتى إن انتصرت، يكون الانتصار منقوصاً.

الحروب في العصر الحالي : عقبَ الحرب العالمية الأولى ، نشط الاستعمار الاقتصادي المباشر بقيام دول منتصرة، بريطانيا وفرنسا خاصة، بإرسال جيوشها واحتلال عدة دول أخرى..

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وما جرى من تدمير لطرفي هاتين الحربين، بغضّ النظر سواءً كانت منتصرة أو خاسرة، راجعت هذه الدول طريقة الاحتلال المباشر، فرأت أنها طريقة “غبية” للسيطرة على العالم أو على دول بعينها…

لماذا تغامر هذه الدول الكبيرة بجيوشها وبأرواح جنودها طالما أنّ هناك جيوش أصغر من “الأتباع” تقوم بذات المهمة ؟

هنا اعتمدت أولاً على تحقيق توازن اقتصاديّ بين الصادر والوارد، ثم على دعم كبير لجيوشها وجيوش الدول التابعة لها.

النظرية الحديثة تقول: السيطرة على اقتصاد الدول لا يتم بالقوة العسكرية، بل برؤوس الأموال والبنوك العملاقة، مع الحفاظ على جيش قوي يتدخل عند الضرورة.

هنا بدأت تتبلور فكرة العولمة و”النظام العالمي الجديد” والذي كانت نتائجهُ أسوأ من الاحتلال العسكري المباشر..

إنه: احتلال اقتصادي اجتماعي سياسي ديني شامل حدثت خلال الاحتلال المباشر هجراتٌ لكنها لم تكن كبيرة.

كما أنّ أسواق الدول المُحتلة لم تكن سيئة، فقد شهدت بعض الدول المحتلة انتعاشاً محدوداً في اقتصادها وتطوراً في عدة ميادين، وهذا لا يتوافق مع السياسات الاستعمارية.

أما مع الاحتلال الاقتصادي لدول العالم الثالث؛ فنلاحظ أنّ الهجرة تضاعفت وازدادت البطالة ومعها انتشر الجهل و… التطرف.

كيف تتم الحروب الاقتصادية وماذا تستفيدُ منها الدول الكبرى؟ كما ذكرنا، انتهى الاحتلال المباشر إلى الاحتلال الاقتصادي الذي أخذ طرقاً أساسية تتم فيها السيطرة على مقدرات البلدان وتسخيرها لخدمة الدول الاستعمارية، وتجري وفق خطط متتابعة.

المطلـوب لتنفيـذ الحـرب الاقتصادية ضـد دولة ما، أن يكون في هـذه الدولة : حكومة سـيئة التخطيط وضعيفة الخبرة – مسؤولون فاسدون ومتعاونون مع الدولة المُعادية – رجال أعمال وأثرياء جشعون هدفهم الأول زيادة أرصدتهم حتى لو باعوا الوطن – شعبٌ مغيّب قسراً، يتم إشغالهُ بقوت يومه أو صرف نظرهِ عما يجري بطرق عديدة أهمها “الدّيـن”.

بحث من مركز فيريل للدراسات بإشراف الدكتور (جميل م. شاهين)

                

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz