مجلس أمن أم مسرح عبث؟

في جلسة يُفترض أنها جلسة رسمية لمجلس الأمن, أقدم سفير الكيان الصهيوني “داني دانون” على فعل ما لا يمكن تصوره.

دانون المتأثر على ما يبدو بشعار الموساد “بالخديعة تخوض الحروب”, كان يحضر جلسة يفترض أنها تناقش قضايا قانونية مُعاصرة تتعلّق بالصراع الحالي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لكنه قطع خطابه دون سابق إنذار واعتمر قلنسوته اليهودية السوداء ثم أمسك بكتاب يفترض أنه الكتاب المقدّس الذي يضم التوراة والإنجيل ( أو ما بات يعرف حالياً باسم العهد القديم والعهد الجديد ) وتلا بصوت عالِ باللغة العبرية مقطعاً قصيراً من سفر التكوين التوراتي حول ما يزعم أنه “عهد” قطعه الله مع إبراهيم.

وجاء نصّه كما يلي: ” وأقيم عهداً أبدياً بيني وبينك وبين نسلك من بعدك, جيلاً بعد جيل, فأكون لكَ إلهاً ولنسلك من بعدك, وأعطيك أنتَ ونسلك من بعدك أرض غربتك, كل أرض كنعان, ملكاً مؤبداً وأكون لهم إلهاً ” (سفر التكوين 17 ).

وما ان انتهى من تلاوة النص حتى لوّح بالكتاب أمام الحاضرين قائلاً: ” هذا هو صكّ ملكيتنا لأرضنا “!!! ولم يكتفِ بذلك بل تابع خداعه زاعماً أن اليهودية والمسيحية والإسلام كلّها تقرّ بصلة ما سمّاه “الشعب اليهودي” بـ”إسرائيل”.

وتمادى أكثر ليزعم أن “حتى القرآن نفسه يقبل الصكّ الإلهي الممنوح للشعب اليهودي بأرض إسرائيل”!!.

من المؤسف أن يسمح مجلس الأمن بمهزلة كهذه تحت قبّته ومن المؤسف أكثر أن لا نسمع رداً مناسباً يتناسب وفداحة المزاعم. فتبعات خطوة كهذه خطيرة للغاية وتؤسس لبدع جديدة في عالم القانون الدولي.

فوسائل الإعلام التي تناولت الخبر زعمت أنه كان يقرأ من “الكتاب المقدّس” وذلك لخديعة القرّاء بينما هو في الواقع كان يقرأ من التوراة العبرية التي لا تضمّ العهد الجديد ولا تعترف به أصلاَ.

ثم متى كان القانون الدولي أو شرعة الأمم المتحدة التي ينصّ ميثاقها على عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة يقبل أو يمكن أن يقبل تفسيرات دينية ملتوية لتبرير اغتصاب أراضي شعب بأكمله واقتلاعه من أرضه؟

ومتى حلّت النصوص الدينية الأحادية محل القانون الدولي؟

هذا أولاً. وثانياً كيف يقبل مجلس الأمن وباقي الدبلوماسيين الجالسين أن يستعين سفير كيان يتم الترويج له دولياً على أنه “واحة الديموقراطية” بنصوص دينية ذات تفسير صهيوني كـ “صكّ ملكية”؟ هل عدنا إلى زمن صكوك الغفران؟

أم أنه يتعمّد إشعال حروب دينية وجدالات فقهية ولاهوتية ؟ أم ما الذي يحدث بالضبط؟

ألا يعتبر هذا تمهيداً فجّاً لمخطط إعلان يهودية الدولة والقضاء بالتالي على كلّ المكوّنات الاجتماعية الأخرى من غير اليهود في أرض فلسطين بحيث لا يعود لغير اليهود حق بالحياة على أرضهم بعد ذلك؟

ثم من أين أتى بزعمه هذا أن كلاً من المسيحية والإسلام يقرّان بما سمّاه “الصكّ الإلهي”..

لن نخوض حالياً بجوانب القانون الدولي التي تناولها خبراء ومتخصصون كثر كما لن نغوص في جدل التفسيرات الدينية المختلفة, لكن نود التذكير بأن أياً من المسيحية أو الإسلام لا تقرّان بشيء من هذا.

فبالنسبة للمسيحية كان هناك “عهد جديد” قطعه الله مع جميع من يؤمن به سُمّي بالعهد الجديد أو الانجيل.

وبموجب هذا العهد الجديد باتت جميع الوعود السماوية شاملة لجميع المؤمنين ولم تعد محصورة بقبيلة معيّنة.

وباستثناء بعض الكنائس الغربية التي تم اختراقها وباتت تروّج لأفكار مماثلة, هنالك تفسيرات دينية ولاهوتية مختلفة لهذه النصوص تعتبر أن ما يسمّى “إسرائيل” هي مملكة روحية سماوية لا علاقة لها بالكيان المُصطنع الذي أنشأته قوى استعمارية معروفة.

أما بالنسـبة للإسـلام فقـد كـان أيضـاً واضـحاً للغايـة إذ اعتبـر أن سـيدنا إبراهيـم كان ” مُسـلماً حنيفـاً “.

ونصّ الآية واضح لا لبس فيه : “مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلَا نَصْرَانِيّاً وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفـاً مُّسْلِمـاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” (الآية 67 من سورة آل عمران).  

وبناءً على هذه الآية يكون خطاب القرآن لبني إسرائيل مبنياً على أنهم أتباع إبراهيم المُسلم الحنيف وليس بناءً على أنهم قبيلة تنسب لنفسها ملكية أراضي الغير دون وجه حق.

فمن أين أتى دانون بهذا “الإقرار” المزعوم؟  وإذا كان “الله” قد قطع عهداً معهم لملكية “أبدية” كما يزعم, فلماذا سمح لقيصر روما أن يطردهم من هذه الأرض كما يقول ولماذا لم يحاول “إعادتهم” إليها إلا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين؟

لماذا انتظر ما يقارب الألفي عام لتحقيق هذا الوعد المزعوم؟

الجواب هو أن هذا المشروع تزامن مع مصالح عدد من الدوائر الاستعمارية والمصرفية وخاصة أصحاب ومؤسسي شركة الهند الشرقية التي حفرت قناة السويس وأرادت إيجاد موطيء قدم لها في هذه البقعة الجغرافية كي تستمر في الحفاظ على سيطرتها على الممرّات البحرية الهامة ومنابع النفط إضافة إلى رغبتها بإبقاء هذه المنطقة في حالة حروب دائمة كي تبيع المزيد من الأسلحة وتحقق المزيد والمزيد من الأرباح . هذا إلى جانب أهداف وغايات أخرى كثيرة.

وصحيح أن هذه الشركة قد تمّت تصفيتها فعلياً ولم يعد لها وجود, لكن مؤسسيها وملاّكها من كِبار المصرفيين وأصحاب رؤوس الأموال ما يزالون من أصحاب النفوذ الكبير في معظم دوائر ومراكز صناعة القرار الدولي وما يزالون يتحكّمون بالكثير من القرارات الهامة على الصعيد الدولي.

لهذا ربما لم تقم أية وسيلة إعلامية كبرى بانتقاد هذا الاداء, بل على العكس من ذلك, امتدحت وسائل إعلامية ذات توجّهات معروفة أداءه واعتبرته أمراً جيداً.

مؤسف أن تصبح وسائل الإعلام أداةً دعائية بدل أن تكون وسيلة لإطلاع الناس على حقائق الأمور.

( Z . Saleh )  

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz