سكك حديدية

بقلـم ” تيـري ميسـان “

 لا يُمكن لسورية أن تعتمد في عملية إعادة إعمارها إلا على نفسها فقط، لأن أياً من الذين أنفقوا مئات المليارات من الدولارات لتدميرها، على استعداد لدفع فلس واحد لإعادة إعمارها.

وفي مثل هذه الظروف يتوقف مستقبل البلد على إعادة ارتباطه بماضيه حين كان نقطة عبور إلزامية بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، وحين كان طريق الحرير في العصور الغابرة يبدأ من العاصمة الصينية القديمة شيان، وينتهي في كل من أنطاكية وصور.

لم يكن هذا الطريق مجرّد طريق تجاري حيث يجري تداول السلع بين مدينة وأخرى فحسب، بل كان أيضاً طريقاً ثقافياً انتشرت على جانبيه الفلسفة الصينية في عموم قارة آسيا، ووصل الدين الإسلامي عبره إلى الصين، ولم تكن اللغة المندرينية هي اللغة المشتركة على طول امتداد الطريق، بل الفارسية.

واستمرت سورية عبر تلك القرون في كونها نقطة عبور بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط، وكان ذلك أحد عوامل ازدهارها، إلى أن تم شق قناة السويس.

إن مشروع بناء سكة حديد تربط ميناء خرمشهر الإيراني على الحدود العراقية، بميناء البصرة، فالأراضي السورية مروراً ببغداد، ليس بالأمر الجديد.

فقد تم التخطيط لهذا المشروع قبل الحرب، إثر إنشاء السوق المشتركة التركية -الإيرانية -السورية.

لكن مسارات هذا الطريق السككي تعرّضت لتخريب مُمنهج على يد مرتزقة الغرب، ممّا أدى إلى خروج القطارات عن الخدمة  ومصرع العديد من عمّال السكك الحديدية، والركاب أيضاً.

وهكذا، كان مصممو الحرب، المملكة المتحدة في مقدمة هؤلاء، ومنذ اليوم الأول يهدفون إلى منع أي نشاط اقتصادي في سورية.

وهذا سلوك تميّز به المستعمر البريطاني يقوم على ضمان أن تظلّ الشعوب المُستَعمرة تابعة لمشيئته.

على سبيل المثال، حين كانت الهند المنتج الرئيسي للقطن في العالم، كانت لندن تحرص على استمرار البلد بإنتاج القطن الخام، مع منعه من حلجه وغزله، بما يضمن لها عدم إمكانية صناعة النسيج  إلا في إنجلترا.

هذا هو السبب الذي جعل المهاتما غاندي يأمر بغزل القطن على المغازل اليدوية كعمل من أعمال التخريب ضد تلك السياسة.

تزعم الولايات المتحدة اليوم أنها تُعارض مشروع بناء السكك الحديدية هذا، لمنع إرسال أسلحة إيرانية ثقيلة إلى لبنان.

لكننا نعلم أيضاً أن هذا مجرّد ذريعة، وفقاً لتصريحات وزير الخارجية “مايك بومبو” نفسه الشهر الماضي بهذا الخصوص.

وفي الواقع، يتمحور هدف واشنطن حول تأخير استغلال الغاز والنفط السوريين حتى يتسنّى لها تسويق زيتها الصخري (الذي يتوقع أن ينخفض إنتاجها منه بشكل تدريجي اعتباراً من عام 2023، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية).

وفي هذا السياق، انتهزت إسرائيل الفرصة لتقترح في نيسان 2017 ، وفي شهر تشرين ثاني الماضي بناء طرق مواصلات أخرى بين البحرين (بحر العرب والأبيض المتوسط).

ويبدو أن القائم بأعمال وزير الخارجية الإسرائيلي والذي يشغل أيضاً منصب وزير المواصلات  “يسرائيل كاتس” قد حصل مُسبقاً على موافقة الأردن، والسعودية والإمارات وسلطنة عمان على هذا المشروع، ما دفع المبعوث الأمريكي الخاص “جيسون غرينبلات” إلى التلميح بإمكانية إدراج هذا المشروع الإسرائيلي ضمن “صفقة القرن” المُزمعة.

إن كمية البضائع الهائلة المُراد نقلها تسمح لهذين المشروعين، على الرغم من التنافس فيما بينهما، أن يتعايشا تماماً، لكن تل أبيب تمتاز بسمعة سيئة في التشارك.

وبصراحة فإن الخاسر الأكبر من هذين الطريقين هم الأوروبيون. لأن السلع المُزمع نقلها في أيامنا تختلف عن تلك التي كانت تنقل من خلال طريق الحرير القديم.

ففي الماضي، لم يكن الأوروبيون ينتجون الحرير، وكانت الصين تقدّمه لهم.

أما اليوم فالجميع ينتجون تقريباً السلع نفسها، مع فارق أن الصينيين ينتجونها بتكلفة أقلّ بكثير من الآخرين.

لذا فوصول بضائعهم بكميات هائلة عبر تلك الطريقين، سوف ينال من الصناعة الأوروبية بسرعة، وقد يدمّرها.

المصدر ” voltairenet.org”                          

                             

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz