نتنياهو يدفع ترامب إلى قمّة التصعيد ثم يتخلّى عنه ويتركه لمصيره

تعقيباً على ما أشيع حول النصائح الأمريكية لإسرائيل بالتزام الصمت حول الصراع الحالي مع إيران, علّق المدوّن “إيليا ماغنيير” متهكماً : يزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه كان “شخصياً” وراء خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران وأنه شخصياً من أقنع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بضرورة العدول عن هذا الاتفاق متمنياً أن تزول إيران.. “بعـون الله”!!!

يبدو أن خبرة إسرائيل بالتعامل مع قضايا الشرق الأوسط تفوق كلّ خبرات إدارة الرئيس الحالي وكامل أعضاء فريقه الرئاسي مجتمعين!! لأن إسرائيل ,كما يبدو, قادرة على إقناع الأمريكيين بأمور قد لا تكون هي نفسها مقتنعة بها !!.

وهكذا تمكّن الإسرائيليون من “إقناع” الأمريكان بأن استعراضهم للتفوّق العسكري مع إبداء النيّة والعزم على استخدام هذه القوة سوف يُجبر الإيرانيين على التراجع وسيجعلهم يرضخون للشروط الأمريكية الإثني عشر التي أملاها وزير الخارجية “مايك بومبيو”.

هكذا زعم سفير إسرائيل السابق لدى واشنطن “داني  أيالون”, مؤكداً أن هذا هو ما سوف يحدث.

رسالتان واضحتان لا لبس فيهما أرسلتهما إيران وحلفاؤها لتفنيد هذه الإستراتيجية التي تمّ اعتمادها بدافع من التحريض الإسرائيلي وتأكيد بطلانها.

لكن إسرائيل التي كانت وراء هذا التحريض كلّه وخلف استراتيجية التصعيد هذه خرجت من الموقف سالمة غانمة لم يمسّها سوء.

بينما يبدو أن ترامب كان الخاسر الوحيد فيه .. وها هو الآن ينتظر أن يرنّ جرس الهاتف بالرغم من عدم وجود أي مؤشّر يوحي بأنه سيرنّ في أيّ وقت قريب.

مواقف نتنياهو الإستعدائية وتحريضه المسعور على الحروب هو ما يضطر إيران إلى التصلّب في مواقفها.

نتنياهو يتباهى بأن نفوذه وقدرته على التأثير في قرارات ترامب هي التي جعلت ترامب “يعطيه” مرتفعات الجولان السورية وينقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس (كما لو كان ترامب يعطي القدس لنتنياهو!!) وينقض التزامه بالاتفاق النووي مع إيران.

وربما كان أيضاً وراء الشروط الإثني عشر التي يحاول ترامب فرضها على إيران باعتبار أن الإسرائيليين وعلى عكس  الإدارة الأمريكية الغافلة يعلمون يقيناً أن إيران لا يمكن أن تقبل شروطاً كهذه.

الرئيس الأمريكي قوّض عملية السلام وأهدر مكانة بلاده كوسيط للمفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. ترامب لم يتردد بمنح نتنياهو جميع “الهدايا” التي طلبها ومدّ له طوق النجاة للإفلات من المحاكمة الجنائية التي كانت تنتظره على خلفية الاتهامات بالفساد والتحايل وسـوء الائتمان.

فهذه “العطايا” عزّزت فرصه في الانتخابات ومكّنته من ضمان إعادة انتخابه. ترامب كان يمنح نتنياهو أشياءً لا يملكها ولا يحق له التصرف فيها.

والآن جاء دور إيران لتوضع على “المقلاة”. لكن, يبدو أن الأمور لا تسير على النحو الذي أراده ترامب وخطّط له. صورته هو التي اهتزّت وتعرّضت للكثير من الضرر.

لكن شيئاً من الأذى لم ينل صورة نتنياهو الذي أوعز لوزرائه بالتزام الصمت والنأي بأنفسهم عن المواجهة الإيرانية – الأمريكية.

بمقدور رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يغسل يديه من فعل اللا حرب الأمريكي ضد إيران ويكتفي بمراقبة المشهد بصمت تاركاً إسرائيل بمنأى عن التوتر الإيراني – الأمريكي كما لو أنه لم يكن متورطاً حتى النخاع في هذا الصراع.

فهو يحاول التظاهر الآن بأنه خارج لعبة “اختبار القوّة” وشـدّ العضلات الجاري بين الولايات المتحدة وإيران وأنه لا شأن له بتراجع ترامب عن وعيده لإيران بعد حادثتي الفجيرة والهجوم على مواقع أرامكو.

في سورية, وزير الحرب الإسرائيلي السابق “موشي يعالون” قال صراحة أن إسرائيل ترى أن وجود داعش على حدودها أفضل لها من وجود الرئيس الأسد أو إيران.

وإسرائيل قامت مرات عدّة بقصف مواقع الجيش العربي السوري وحلفاءه الذين كانوا يحاربون داعش والقاعدة.

نتنياهو يرفض السلام طالما كان البديل مزيداً من الاستغلال لترامب وتلقي المزيد والمزيد من الهدايا, بما في ذلك القدس.

وأخيراً وليس آخراً, يبدو أن إسرائيل هي من كانت وراء التقارير الإستخبارية المُضللة التي زعمت بأن إيران تنصب الصواريخ على الزوارق ممّا دفع بالولايات المتحدة إلى قرار إرسال مزيد من القوات إلى الشرق الأوسط.

الموساد الإسرائيلي هو من زوّد الولايات المتحدة بتلك التقارير الإستخبارية المُضللة التي تزعم  أن إيران كانت تضع الصواريخ على  قوارب خشبية صغيرة, كما لو أن إيران قد خلت من المساحات الشاسعة من الأرض لنصب الصواريخ عليها.

والغريب أنهم صدّقوا الموسـاد !! ممّا ورّط الولايات المتحدة بقرار إرسال قوات إضافية إلى الشرق الأوسط، وعلى الولايات المتحدة الآن أن تجد لنفسها مخرجاً من هذه الورطة التي نجمت عن هذه العملية التي تبدو في ظاهرها “عملية زائفة” (أو ما يسمّى “false flag op” وهو مُصطلح يُطلق على العمليات التي تقوم بها جهة ما تحت راية مزيّفة أو مُخادعة يبدو الفاعل فيها ظاهرياً طرف آخر لاتهامه وجعله محلّ شبهة).

فالولايات المتحدة اليوم تقول أن إيران قد بدأت بتفريغ حمولة الصواريخ من على متن زوارقها الصغيرة لتخفيف حدّة التوتر.

إيران لا ترغب بمنح ترامب فرصة سهلة للهروب من جو التوتر المشحون الذي أوجده هو وفريقه. نتنياهو يلتزم الصمت لتجنّب الانتقادات الأمريكية باعتبار أنه كان الشخص الوحيد الذي دفع ترامب إلى هذه المواجهة مع إيران.

وإيران مُدركة لمدى قدرة إسرائيل على استغلال الإدارة الأمريكية الحالية والتلاعب بقراراتها لمصلحتها. قلّة خبرة ترامب بالشؤون الخارجية ورغبته الجامحة بإعادة انتخابه عام (2020) تسمح لنتنياهو بأن يجرّه من أنفه حيث يشاء.

القيادة الإيرانية لا تثق لا بالولايات المتحدة ولا بالأوروبيين بالحفاظ على تعهّداتهم في الاتفاق النووي.

هذا كلّه مجرّد مثال واحد يوضح مدى قدرة إسرائيل على جرّ الحكومة الأمريكية إلى سيناريو تكون فيه الخاسر الوحيد بينما تكون إسرائيل فيه الرابح الوحيد. الولايات المتحدة ستخسر هيبتها إن هي تراجعت وستخسر أكثر إن هي اندفعت إلى هذه الحرب الكارثية.

الشروط الإثني عشر التي اقنع نتنياهو الإدارة الأمريكية بعرضها على إيران هي شروط تعجيزية لا يمكن لإيران أن تقبل بها. وإسرائيل تعلم هذا جيداً.

لكن بالنسبة لها, إن قبلت إيران سيكون هذا نصراً لإسرائيل وإن لم تقبل ستحاول الولايات المتحدة اللجوء لخيار الحرب أو فرض المزيد من العقوبات وفي كلتا الحالتين إسرائيل ستكون رابحة.

بمقدور إسرائيل دفع الولايات المتحدة إلى مواجهة مع إيران وإلى ممارسة المزيد من الضغط عليها لأن نتنياهو لن يخسر شيئا. فمن سيتحمّل مخاطر هذه الإستراتيجية الرعناء هو الجيش الأمريكي, بينما لا تخاطر إسرائيل بأي شيء.

بمقدور إسرائيل أن ترتاح وتتسلّى بمشاهدة مسلسل الأحداث يتوالى أمامها لأنها ستكون الرابحة في جميع الأحوال.

فبماذا تحلم أكثر من أن يخوض الآخرون حروبها نيابة عنها؟ تأثير إسرائيل على إدارة ترامب عديمة الكفاءة هو أكبر خطر يهدّد السلام العالمي اليوم.

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz