نتنياهـو تفادى أزمة وكشـف أزمـات

من المعروف أن كيان الاحتلال يُعاني من أزمات عديدة ومن بينها “أزمة الهوية”. فمن قدموا للاستيطان في أرض ليست لهم, لم يأتوا من مكان واحد ولا تجمعهم ثقافة واحدة ولا خلفية دينية أو عرقية واحدة.

لا شيء مشترك بينهم تقريباً سوى الرغبة بالاستيلاء على أراضي الغير والعيش برفاه للاستمتاع بما تقدّمه لهم الدول الكبرى من دعم مادي ومعنوي وسياسي وعلمي وتكنولوجي يفوق حاجاتهم بكثير. قد يقول قائل أن ما يجمعهم هو “الدين” وأنهم جميعاً في النهاية “يهود”.

لكن هذا غير صحيح تماماً. فهم ينتمون لمذاهب دينية مختلفة لا تقلّ في تناحرها فيما بينها عن مثيلاتها بين أتباع الديانات الأخرى.

الفارق الوحيد هو أن هذه الخلافات لم تصل إلى حد الاقتتال الداخلي فيما بينهم (أو على الأقل لم يخبرنا التاريخ بحدوث مثل هذه الحروب) كل ما وصل حول ذلك هو أن هذه الخلاقات بقيت محصورة في إطار التنافس والتجاذبات العقائدية.

برزت هذه الخلافات والتناقضات إلى السطح عندما واجه نتنياهو أزمة تشكيل الحكومة مؤخراً.

فعندما فشل نتنياهو في تشكيل حكومته كانت الخيارات المتاحة قليلة للغاية. فقام بخطوة أثارت الكثير من السخط والاستهجان إذ أوكل لنفسه أربع حقائب وزارية دفعة واحدة, من بينها  وزارة “العدل”.

أثارت هذه الخطوة عاصفة من الانتقادات, إذ كيف يمكن له أن يتولّى حقيبة العدل في الوقت الذي يخضع فيه لتحقيقات جنائية في ثلاث قضايا فساد كبيرة وكيف يكون هو المسؤول عمّن سيحقق معه ؟

البعض وصف هذه الخطوة بأنها سقوط في العبثية.

لذا بدأ بالبحث عن شخصية من الأحزاب المتحالفة مع حزبه يمكن تعيينها في هذا المنصب. من بين المرشحين للمنصب كان عضو الكنيست عن حزب يهودي متديّن يدعى “سموريتش” .

لكن اختيار هذا المرشح أثار عاصفة أخرى من الانتقادات ووصفها “يائير لابيد” من حزب الأزرق والأبيض بأنها الجنون بعينه. لماذا؟

لأن “سموريتش” يدعو إلى تطبيق الشريعة اليهودية أو ما يسمّيه “شريعة التوراة” كما كانت تطبّق أيام “الملك داوود”!!

ما تبيّن من هذا الجدل أن الغالبية الساحقة من أفراد الكيان يرفضون رفضاً قاطعاً تطبيق “الشريعة” كقانون يحكم حياتهم ويفضّلون نظام حكم علماني توافقي.

لأنهم يعلمون أن تطبيق أحكام الشريعة المتزمّتة كفيل بالقضاء على مشروعهم بكامله ومعظم المهاجرين الأوروبيين والغربيين سيغادرون لأنهم لن يطيقوا العيش في دولة دينية تحكمها قوانين تعود إلى زمن غابر.

يكشف التنابذ والتجاذب الذي أثارته هذه القضية مدى الانتقائية الفاضحة في اختيار ما يناسبهم وترك ما لا يناسبهم.

فمن ناحية يزعم رئيس وزراء الكيان أن “الدولة” لليهود فقط. لكن هؤلاء “اليهود” يرفضون تطبيق شريعتهم ويرفضون أن تكون هذه الشريعة مرجعية قانونية حاكمة.

وصحيح أن نتنياهو تمكّن في النهاية من تفادي هذه الأزمة وأوكل الحقيبة الوزارية لمرشّح من حزب الليكود الحاكم هو “أمير أوهانا” , لكن ما جرى يكشف عمق أزمة الهوية التي يعيشها الكيان ويكشف التناقضات والانتقائية في المعايير.

( syrianfacts.com )

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz