بحث الحرب والاقتصاد الحروب الأهلية “الاقتصادية”- (الجزء الخامس)

تكلفةُ الحروب العسكرية مرتفعة، ويقعُ تمويلها على كاهل الخصمين أو الخصوم، لهذا لابد من طريقة أسهل وأرخص لتدمير دولة ما، ما هي؟ عندما تشنُّ دولة كبيرة حرباً ضد أخرى، عليها استنفار قواتها العسكرية واقتصادها تبعاً لحجم هذه الحرب ومدتها.

كما تضعُ بعين الاعتبار خسارة جنودها أو عتادها ومدى انعكاس ذلك على الرأي العام الداخلي.

وقد تضطرُ لفرض حصار جوي وبحري على الدولة الأخرى .. كلّ ما ورد مُكلفٌ مادياً ونتائجهُ ليست مضمونة دائماً.

الحل؟.. إشعالُ الحروب الداخلية في تلكَ الدولة.. الحروب الداخلية “الأهلية” تستمرُ فترة أطول وتُعطلُ كافة النشاطات الاقتصادية، وتمويلها الخارجي أسهل وأقل، في الحروب الأهلية تقوم الدول الاستعمارية بتحريض ودعم طرف ضد حكومة دولة لا تلبّي أوامرها، الحكومة التي تعاني من الحرب الداخلية تلجأ للتعبئة العامة وتسخير كافة الموارد للقضاء على أعدائها الداخليين، فتدعم الجيش والأمن وترفعُ الضرائب..

ومع شحّ المصادر تؤجّل الحكومة كافة المشاريع التنموية وتلجأ لطلب المعونة من الدول الصديقة القوية.. لا صداقة في السياسة، هذه الدول قد تلبّي طلبها لكن بشروطها ومصالحها، فتمنحها قروضاً أو مساعدات عسكرية لقاء توسيع نفوذها وتسهيل عمل شركاتها..

متوسط عمر الحروب الأهلية وبمقارنة عشرات الحروب الأهلية قديماً وحديثاً، هو 12 عاماً خلال هذه الفترة تُستهلَك مقدّراتُ الدولة، ويكون تمويل الحرب تصاعدياً إلى أن تفرغ الخزينة، فتضطرُ الحكومات لبيع مخزوناتها من المعادن الثمينة، ثم لبيع ثرواتها الباطنية بأسعار أقلّ من السوق لتأمين دخل يغطي تكاليف الحرب.

فتنشط حركة السوق السوداء بسبب الحصار المفروض عليها ومنعها من التصدير، ليصبحَ المشترون هم الذين يتحكمون بالسوق ويفرضون شروطهم..

في الحروب الأهلية يتضاعفُ الفساد ونهب مقدّرات الدولة وثرواتها، وتزداد الجرائم وعمليات الابتزاز ومعها تنتشرُ تجارة السلاح والبشر والمخدرات، وهذا نشاهدهُ في أفغانستان وشاهدناهُ في لبنان ودول إفريقيا وأمريكا اللاتينية..

كل ما ورد ينعكس سلباً على الاقتصاد الذي يُصابُ بمقتل قد لا يُشفى منه لعقود.. تجتاز القليل من الدول فترة الحرب الأهلية، فيتحسّن اقتصادها بسرعة ومعه الأمن والحياة الاجتماعية، بالمقابل؛ دول كثيرة لا تخرج من “كوابيس” الحرب الأهلية التي تبقى تُسيطر على مؤسساتها ومجتمعها.

قد تتحسّن الحالة الأمنية، أما اقتصادها فيبقى يعاني سنواتٍ وأحياناً عقود دون أن يطرأ تحسّن عليه رغم الموارد والإمكانيات الكبيرة، العراق مثال على ذلك، (ما يحدث في سوريا من حرق المحاصيل الزراعية يدخل ضمن الحرب الاقتصادية، وهو عمل مدروس وليس ناتج عن خطة للغوغاء.. ضرب الاقتصاد السوري وحرمانه من أهم مادة غذائية هو المطلوب، والغوغاء أداة التنفيذ ليس أكثر).

مع انتهاء الحرب الأهلية الطويلة، وجلوس الأعداء إلى طاولة المفاوضات يفرض الطرفُ الأقوى شروطه، وهو ما جرى في لبنان عقب الحرب الأهلية، حيث جلس المتحاربون إلى طاولة المفاوضات وكان دورهم انتظار قراراتِ الدول النافذة في الساحة اللبنانية، ووضع اتفاق الطائف 22 تشرين الأول 1989، الذي يسير جانب الحائط ومازال ، بينما الاقتصاد اللبناني يعتبرُ من أسوأ اقتصاديات الدول، والفساد منتشر ولبنان عبارة عن محميات لكل حزب فيه منطقتهُ ودولته وجيشهُ وحتى اقتصادهُ، أي حصلنا على دولة لا تمتلكُ قراراً مستقلاً وتنتظرُ تعليماتِ وأوامر الخارج كي تقوم بتعبيد طريق!!

  • الدكتور جميل م. شاهين. بحث الحرب والاقتصاد. مركز فيريل للدراسات. برلين (Firil Center For) .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz