الجولان بيضة قبّان المنطقة ومعركة الساعة

بقلـم “ناصـر قنديـل”

ربما يغيب عن أذهان الكثيرين أن جوهر الصِراع الدائر منذ تحرير حلب من الجماعات المسلّحة المدعومة من تركيا وانطلاق قطار الدولة السورية بدعم روسي إيراني لاسترداد كامل الجغرافيا السوريّة، هو الصراع على مستقبل الجولان بين رؤيتين أمريكية وروسيّة.

رؤية أمريكية تربط الاعتراف بعودة سورية ببقاء الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية وتعتبر أن عودة باقي الجغرافيا السورية باستثناء الجولان يجب أن يكفي لعودة الاستقرار لسورية.

وعلى هذه الخلفية قامت واشنطن بخطوتين مهمتين : الأولى عرض مقايضة الانسحاب الأمريكي من سورية بانسحاب إيران وقوى المقاومة، والثانية تأييد قرار إسرائيلي سابق بضمّ الجولان بما يعنيه من إسقاط للضمانة الأمريكية كشريك في اتفاق فكّ الاشتباك عام 1974.

الرؤية الروسيّة كانت واضحة من لحظة التمسّك باتفاقية فكّ الاشتباك كإطار للوضع على حدود الجولان ضِمن مفهوم ارتباط الاتفاقية بالقرارات الدولية التي تنصّ صراحة على الانسحاب الإسرائيلي من الجولان، والضغط الروسي لتراجع أمريكي وإسرائيلي أمام التقدّم السوري نحو الجنوب قبل عامين.

كان في هذا السياق، ومثله تجاهل عروض مقايضة الوجود الأمريكي بوجود إيران وقوى المقاومة، ورفض الموافقة الأمريكية على ضمّ الجولان، وصولاً لقناعة روسيّة بأن الحديث عن انسحاب جميع القوات غير السورية باستثناء روسيا يمكن أن يشمل إيران عندما يكون المطروح مقابله انسحاباً إسرائيلياً من الجولان تقوم روسيا بعرضه مدخلاً للاستقرار في المنطقة في كل مناسبة وكلّ لقاء.

مشروع صفقة القرن شكّل الإطار الشامل للرؤية الأمريكية وكانت روسيا تراه فاشلاً منذ أعلن الفلسطينيون إجماعهم على رفضه، وأعلنت التضامن معهم بمقاطعة مؤتمر المنامة.

والرؤية الروسيّة لسياق تطور أوضاع سورية وامتداد سيطرة الدولة السورية على جغرافيتها لا يلحظ حاجة لوضع الوجود الإيراني على الطاولة لضمان انسحاب الأتراك والأمريكيين.

فسياق الرؤية الروسيّة يضمن مقايضتهما ببعضهما البعض ، الأمريكيون يفرجون عن مطالب الأمن التركي بإلغاء خطر الكيان الكردي، والأتراك يُقايضون شراكتهم بالحل السياسي بالإفراج عن الجغرافيا السوريّة التي يحتلونها.

والانسحاب التركي وإقلاع التسوية السياسية كفيلان بتسريع روزنامة الانسحاب الأمريكي والتجاذب الإيراني الأمريكي مُفيد للرؤية الروسيّة لأنه يضع الوجود الأمريكي في سورية كواحد من الأهداف المُعرّضة لعمل عسكري في أي مناخ متوتر، بحيث يصير الانسحاب الأمريكي من سورية ضِمن مفهوم تسوية سياسية سوريّة مخرجاً يحفظ ماء الوجه، خصوصاً بربط الأمريكي توقيعه الأخير على التسوية بإعادة الإعمار وليس بالانسحاب كما كان من قبل.

لا يُمكن لأحد أن يُطالب الدولة السوريّة بقبول تساكن هادئ على حدود الجولان مع قوات الاحتلال في ظلّ إعلان إسرائيلي مدعوم أمريكياً بضمّ الجولان، وفي توقيت ما سيكون الجولان جبهة ساخنة ، ويصير السؤال عن كيفية تفادي نشوب الحرب، ولذلك يبقى الإيرانيون وتبقى قوى المقاومة وتريد سورية منهم أن يبقوا، ولا تمانع روسيا في بقائهم، لأن مصلحة سورية تكمن بطرح السؤال ومصلحة روسيا تتحقق بتقديم الجواب.

وحتى ذلك الحين غير البعيد، تحاول «إسرائيل» القول إنها قادرة على فرض الابتعاد الإيراني بالقوة، وهي أمام مأزق كونها مضطرة للاختيار بين غارات توجع إيران وقوى المقاومة لتراهن عليها كبديل عن وضع الجولان على الطاولة.

وفي هذه الحالة كلّ وجع يقابله وجع من نوعه وحجمه، وتبادل الألم قد يُخرج الأمور عن السيطرة، وتبدأ السخونة ويصير السؤال مطروحاً عن كيفية منع الحرب ويطرح الروس الجواب.

 الجولان مفتاح المنطقة وبيضة القبّـان فيها، وجنوب سورية المتصل بالجولان ليس قضية طائفية يمكن أن يظنّ البعض، رغم فشل محاولاته السابقة، أن اللعبة فيها متداخلة بين لبنان وسورية وأنها لا تزال مفتوحة، ويمكن التجربة مرة أخرى ببعض التشجيع الخارجي والعبث الداخلي.

البنــاء                                                                                      

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz