قضـيّة «ايبسـتين» تكشـف متاهـة من الأســرار

ضجّة إعلامية كبرى أثارها خبر اعتقال الملياردير المشبوه جيفري ايبستين (أو وفق اللفظ الأصلي إيبشتاين) الذي تدور حوله الشبهات في قضايا خطيرة للغاية من بينها الاتّجار بالفتيات القاصرات واستغلالهن جنسياً.

وبالرغم من أن لائحة الاتهام الرسمية لا تشمل جميع الشُبهات التي تحدث عنها الإعلام كثيراً, إلا أن بعض المواقع الإعلامية غير الرسمية تشير إلى خيوط أبعد وأكثر تعقيداً في المسألة وتطرح فرضيات متعدّدة حول هذا الشخص الذي يُقال أنه كان يستدرج فتيات صغيرات في السنّ إما للاعتداء عليهنّ شخصياً أو لاستخدامهنّ  كـ “طعم” لكبار الشخصيات ثم يقوم بتصوير مشاهد معينة ويستخدمها كورقة ضغط على الضحايا وعلى الشخصيات الكبيرة التي تم إغواؤها للتأثير على قراراتهم في العديد من القضايا كبيرها وصغيرها.

خطورة هذه القضية لا تتوقف عند حدود اعتقال مُشتبه به في جرائم خطيرة, بل يتعدّى ذلك إلى شبكة صِلاته وعلاقاته مع شخصيات في أعلى سلّم الهرم المالي والسياسي بل وحتى الفني والأكاديمي على المستوى الدولي.

ومن التداعيات الأولى لهذه القضية جاءت استقالة وزير العمل الأمريكي “ألكسندر أكوستا” بسبب دوره في تخفيف حُكم قضائي صدر بحق ايبستين ما بين العامين (2007 – 2008) على خليفة اتهامات مُشابهة.

كان أكوستا حينها في منصب رفيع في القضاء وقام بتخفيف الحكم على ايبستين إلى ثلاثة عشر شهراً مع السماح له بالخروج من السجن لمدّة ساعات طويلة يقضيها في منزله الفخم (يقال أنها تصل إلى 12 ساعة يومياً)!!!.

وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على مدى فساد الجهاز القضائي.

على أية حال, يبدو أن أبعاد القضية أكبر وأعقـد كثيـراً من مجـرّد اسـتقالة وزيـر.

تشير بعض الخيوط المُبهمة إلى علاقة ما قد تربط هذا المشبوه بأجهزة استخبارات عالمية, يرجّح أن يكون الموساد الإسرائيلي من أبرزها.

وهذه الشكوك لا تأتي من فراغ بل من خلال تقصّي خيوط العلاقات المُتشابكة في هذه القضية الفضيحة.

فمن هو ايبستين؟؟ ومن أيـن حصـل على هـذه الأمـوال وهـذا النفـوذ ؟

يقول موقع ريديت (Reddit) أن ايبستين لم يكن شيئاً حتى جاء “ليزلي ويكسنر”, وهو صاحب شركات كبيرة, وأعطاه عشرات الملايين من الدولارات وقدّم له منزلاً فخماً وفسيحاً في مانهاتن يُقدّر ثمنه بما يزيد على سبعة ملايين دولار, إضافة إلى باقي وسائل الرفاهية الأخرى الضرورية (ومن بينها طائرة نفاثة ويخوت بحرية فارهة, لم يذكرها الموقع) لإغواء السياسيين وغيرهم من “علية القوم”.

وبالتالي استغلال ذلك للضغط عليهم وإجبارهم على اتخاذ قرارات وصفها الموقع بأنها “غبية”وهذا الوصف هو , في أحسن الأحوال, وصف مُخفف للقرارات التي اتخذها هؤلاء السياسيون “المستدرجون”.

من هنا يعتقد كثيرون أن ايبستين ليس سوى “واجهة” وأنه يعمل لصالح ويكسنر.

فمن هو ويكسنر هذا؟ ينقل موقع (Reddit) عن مقال نُشر في صحيفة (وول ستريت جورنال) أن ويكسنر قام في العام 1991 وبالاشتراك مع ثريّ آخر بتأسيس ما يسمّى “ميغا غروب” (Mega Group) وهي مؤسسة أو “جمعية” غير رسمية تتمتع بنفوذ هائل ومؤثر في عملية صناعة القرارات ورسم السياسات.

وكان الهدف من تأسيسها ضخّ مليارات الدولارات في صناديق “خيرية” لتحقيق أكبر قدر ممكن من التأثير على صناعة القرار الأمريكي وخاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط لدعم “إسرائيل” وغير ذلك من القضايا الرئيسية التي تهمّ كِبار الأثرياء اليهود, وفق موقع (Reddit), الذي يشير إلى أن اجتماعات “ميغا غروب” سرّية للغاية وكانت (وول ستريت جورنال) الصحيفة الوحيدة التي كتبت شيئاً ما عن هذه الجمعية التي لم يكن يعلم بوجودها إلا قلائل.

ويقول الموقع أن “ميغا غروب” لم تكن تعمل لحساب أي جهاز استخبارات بل كانت هذه الأجهزة تعمل لحسابها.

وللتدليل على ذلك, يقول الموقع أنه في العام (1997) كان جهاز الاستخبارات الأمريكي الـ (سي آي إيه) ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي منهمكين في بحث مضنٍ عن جاسوس إسرائيلي يُعتقد أنه يعمل من داخل هذه الأجهزة ويشغل منصباً رفيعاً في إدارة كلينتون حينها.

وما إن وصل هذا الأمر إلى الصحافة وتمّ الحديث عنه علناً في السابع من أيار عام 1997, حتى توقف هذا البحث تماماً وكفّت الصحف ووسائل الإعلام الأخرى عن الحديث عنه واختفت الرواية من نشرات الأخبار في غضون أيام قلائل.

وكانت صحيفة الواشنطن بوست قد نشرت تسريباً في شهر كانون الثاني من عام (1997) تقول فيه أن وكالة الأمن القومي قد رصدت مُحادثة هاتفية بين موظّف كان يعمل حينها في سفارة الكيان في الولايات المتحدة وبين “داني ياتوم” الذي كان يرأس جهاز الموساد حينها.

الموظف كان يطلب الإذن من رئيسه لحضور اجتماع لـ”ميغا غروب” بهدف الحصول على نسخة من رسالة سرّية تتعلق بالعلاقة مع السلطة الفلسطينية, إلا أن ياتوم رفض الطلب قائلاً بما معناه أنهم يحتاجون “ميغا غروب” في قضايا أهم من ذلك بكثير..”فما من أجل هذا تأسست ميغا غروب” .

وهذا بحدّ ذاته يوضح طبيعة هذه الجمعية ودورها. لكن الموضوع لا يقف عند هذا الحد, إذ يُرجع البعض علاقة ايبستين بالموساد إلى شريكته “غيزلين ماكسويل” وهي ابنة الجاسوس الإسرائيلي “روبرت ماكسويل” الذي قدّم خدمات لا تقدّر بثمن للكيان قبل أن يموت وخاصة في مجال ضمان توريدات الأسلحة وتجهيز القوات الجوية لضمان تفوّقها قبيل وأثناء عام (1948).

وللدلالة على خطورة دوره هذا يكفي أن نذكر ما أوردته الصُحف في هذا الشأن وهو أن رؤساء ستة أجهزة أمنية إسرائيلية حضروا جنازته ومراسم دفنه في الكيان.

ورثاه رئيس وزراء الكيان حينها اسحاق شامير قائلاً: “ما فعله من أجل إسرائيل أكثر بكثير ممّا يمكن الإفصاح عنه حالياً”.

لكن من بين ما تمّ الإفصاح عنه هو العلاقة ما بين يهود باراك رئيس وزراء الكيان السابق وايبستين.

إذ يُقال أنه كان من بين مجموعة “أصدقائه” وأن جزءاً لا بأس به من تمويل شركته “كاربين” للتكنولوجيات المتطوّرة التي أنشأها في العام 2015 حصل عليه من ايبستين..

كما ذكرت الصحافة الإسرائيلية أن باراك تلقى في العام (2004) مبلغ مليونين ونصف المليون دولار أمريكي من مؤسسة ويكسنر للقيام بأبحاث لم يتم الكشف عن طبيعتها. باراك لم ينفِ صلته بإيبستين..

وفي مقابلة مع صحيفة ديلي بيست (Daily Beast) قال أنه ليس الوحيد الذي تجمعه به صِلة صداقة وأن من عرَفه به كان “شمعون بيريز”!!.

الطريف في الأمر أن أول من طالب بمُحاسبة “باراك” على هذه الصِلات المشبوهة كان رئيس الوزراء الحالي “بنيامين نتنياهو” الذي “غرّد” قائلاً: (حاسبوا باراك .. !!) وذلك لتعزيز حظوظه الانتخابية أمام خصومه, حيث يتم العمل حالياً على حشد التأييد للانتخابات القادمة المتوقع إجراؤها في شهر أيلول.

ويبدو أن نتنياهو رأى في ذلك فرصة مناسبة لضرب سمعة خصومه السياسيين وخاصة من حزب العمل.

من بين الأمور الغريبة الأخرى في هذه القضية هو أن ايبستين قد أشاد على جزيرته الخاصة (سانت جيمس) مبنى يُشبه في تصميمه “المعبد” أو “الهيكل”.

جدرانه مطليّة بخطوط عريضة متناوبة من اللونين الأزرق والأبيض يُشبهان ألوان علم الاحتلال ونصب على قمّته قبّة مُذهّبة بينما زيّن واجهته بتماثيل من بينها تمثال لـ بوسيدون إله البحر في الميثيولوجيا الإغريقية القديمة.

يُذكر أنه من بين الوثائق التي عثرت الشرطة عليها في حوزة المتهم جواز سفر قديم, ربما يكون مزوراً, باسم آخر لكنه يحمل سِمة “إقامة” في السعودية !!.

فأية خيوط أخرى سيتم الكشف عنها من خلال هذه القضية المُتشعّبة والمتداخلة والتي تكشف عن بشاعة ما يجري خلف الكواليس في أروقة كبار السياسيين وصُنّاع القرار الدوليين.

وهل ستطيح هذه القضية برؤوس كبيرة أخرى أم أنها ستلفلف ويتم التستّر على باقي تفاصيلها؟

من الصعب الإجابة على هذه الأسئلة حالياً, لكن مجرّد أن تكون المحكمة الآن بصدد النظر في طلب “إخلاء سبيله بكفالة” قد يؤشّر إلى مدى نفوذ من يقفون وراءه وإلى أن أياً من الخيوط الخطيرة لن يتم تتبعها, مع الأسف.

لكن مع ذلك, من يدري, كيف تكون ردة فعل الرأي العام الذي بات الآن على علم بالكثير من هذه التفاصيل.

في الفيديو المُرفق صور يقول موقع (كلوفر كرونيكل) أنها مُلتقطة من قِبل طائرة مُسيّرة كانت تُحلّق فوق الجزيرة يظهر فيها المبنى الغريب.

مِن الصـعب التحـقق من صـِحّة هـذا الفيديو إلا أنـه جديـر بالمشـاهدة :

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz