الشرايين المفتوحة للدول العربية

بقلم ( د.عصام التكروري )                                     

في القمّة الخامسة لدول القارة الأمريكية التي عُقَدت في جمهورية ترينداد وتوباغو في نيسان 2009- كان لافتاً قيام الرئيس الأمريكي باراك أوباما باختراق جموع رؤساء دول القارة الأمريكية ومساعديهم في بهو قاعة الاجتماعات والتوجه مباشرة نحو الرئيس الفنزويلي “هوغو تشافيز” مصافحاً.

البيت الأبيض لم ينشرْ تلك الصورة إلا بعد ثلاث ساعات من وقوع الحدث، ربما ظنّ القائمون على الشأن الإعلامي أن الرئيس أوباما- الذي لم يمضِ حينها على توليه الحكم سوى ثلاثة أشهر- قد يرغب بالتراجع عن تلك الخطوة إذ يبدو مستغرباً أن يقوم رئيس الدولة «الأعظم بالعالم» بأخذ زمام المبادرة ومصافحة رئيس الدولة «الأكثر مروقاً على السياسة الأمريكية» في العالم أيضاً.

أوباما لم يخطئ الهدف، لقد كان يدرك تماماً ما يفعل، فالرئيس الفنزويلي معروف في براعته بخلع الألقاب على رؤساء الولايات المتحدة ولقب «الشيطان» الذي خلعه على الرئيس جورج بوش الصغير مازال يردده الملايين في القارة الأمريكية خصوصاً والعالم عموماً.

لذا- وعبر حركته تلك- ظنَّ الرئيس أوباما أنه سيتفادى مصير سلفه، ويُجنّب نفسه لقباً «تشافيزياً» يدمغ سيرته الذاتية إلى أمد طويل.

شهدت القمة نقاشات حادة- أثارها تشافيز خصوصاً- حول دور واشنطن في عرقلة التقدم الاقتصادي في دول أمريكا اللاتينية إضافة إلى موقفها العدائي من كوبا، خلال هذه النقاشات لم يطلق تشافيز على أوباما أدنى لقب، لكن عشية جلسة نهاية الأسبوع فوجئ أوباما بيدٍ تُربتُ على كتفه، ألتفت ليجد شافيز يقدّم له باليد الأخرى كتاباً باللغة الإسبانية، تناول الرئيس أوباما الكتاب وهو يشعر بالبهجة ظنّاً منه أن مصافحته لتشافيز آتت أكلها، ولتلتقط وسائل الإعلام الصور لتشافيز إلى جانبه أوباما وهو يحمل الهدية التي لم تكن أكثر من فخ لا يتقن نصبه إلا القادة الاستثنائيون ولا يبدعه إلا المثقفون الاستثنائيون: إنه كتاب «الشرايين المفتوحة لقارة أمريكا اللاتينية، تأريخ لخمسة قرون من النهب الأمريكي والأوروبي» لمؤلفه “ادواردو غالينانو”.

ابتسامة شافيز في الصورة التي جمعته مع أوباما تقول: «قُضي الأمر..ومنحت أوباما لقب «ممثل قوى النهب العالمي».

خلال الأربع والعشرين ساعة التي تلت هذا الحدث قفز كتاب «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية» إلى المرتبة السادسة في مبيعات أهم أسواق الكتب العالمية بعد أن كان في المرتبة الرابعة والخمسين ألفاً، واستنتج الملايين اللقب الجديد لباراك أوباما، وتعرفوا أكثر إلى جشع الامبريالية العالمية وإجرامها بحق شعوب أمريكا اللاتينية.

القصة لم تنتهِ هنا فعلى إثر انفضاح حقيقة رسالة تشافيز لأوباما من خلال الهدية الفخ أعلن المتحدث باسم البيت الأبيض أنه سيكون من الصعب على أوباما قراءة الكتاب لأنه مكتوب باللغة الإسبانية.

«أطفال الزمن» هو آخر كتاب ظهر “لادواردو غاليانو” في عام 2013، وتحت عنوان «السراب السعودي» كتب غاليانو يقول: «في عام 1938 شاعت قصة مدويّة تحكي عن اكتشاف شركة ستاندارد لبحر من النفط تحت الرمال الممتدة للمملكة السعودية، هذه المملكة تحتل اليوم المرتبة الأولى في إنتاج أخطر الإرهابيين، وفي انتهاكات حقوق الإنسان، وحينما تريد القوى الغربية تهديد العرب عبر زرع الرعب وإسقاط القنابل فإن الانسجام بينها وبين المملكة السعودية التي يحكمها خمسة آلاف أمير يتجسّد بأعلى درجاته، أين يكمن سبب الانسجام هذا؟ أفي حقيقة أن المملكة السعودية تبيع أكبر كمية من النفط وتشتري أكبر كمية من السلاح؟».

إلى أن يتم تأليف كتاب «الشرايين المفتوحة للدول العربية، تأريخ لقرون من النهب الغربي»، يحقّ لنا أن نتساءل عمّا إذا كانت هناك إمكانية لأن يربّت شخصٌ ما على كتف واحد من إخوتنا في بلاد الحجاز ويهديه كتاب «غاليانو» – «أطفال الزمن»؟

             

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz