عبودية معرفة المعلم

في المدرسة يُعلّموننا منذ البداية، وفي الدرس الأول “من علّمني حرفاً… كنت له عبداً” ، إن العبارة فيها الكثير من مرادفات العبودية، لأنه إن كان المقصود مضمون المعنى هو الاحترام والتقدير للمعلّم، فهذه ثقافة راقية وحضارية، أما إذا كان المقصود معنى “العبودية لمعرفة المعلم” فهذا موضوع خطير ويجب قلب المعادلة.

إن ظاهرة العبودية لمعرفيّة المعلم وأمثاله قد تكرّست عبر قرون طويلة من خلال مناهج التلمذة والتدريس المحرِّم عليهم المناقشة حتى لو خالفت المعلومات الحقائق العامة، كأن يُقال اليوم للطالب: ( عندما يكون هناك أخطاء واضحة، اكتب في الامتحان ما ورد في الكتاب، واترك فهمك لنفسك ).

هذه المنهجية كلّفت المجتمعات الدخول في تخلّف لقرون طويلة، وهكذا سجّل التاريخ النبذ الاجتماعي أو النبذ الأكاديمي والعلمي لكثير من العظماء الذين يعبق التاريخ بإنجازاتهم، وخاصة في مجالات العلم والفلسفة، من أمثال تكفير ابن سينا (980-1073)، ومِحنة أبا حنيفة النعمان (699-767)، وحظر الكنيسة لكتب كوبرنيكوس (1473-1543) وهو الذي غيّر نظرة العالم للكون بإثبات كروية الأرض، حيث ظلّ تلامذة أرسطو يقلّدون مُعلّمهم نحو ألفي عام، بأن الأرض مُسطحة.

في العصور الأحدث قام بيكاسو (1881-1963) بهجر الجامعة بسبب الروتين المتبع بها ، ووالده الأكاديمي في كليات الفنون الجميلة تخلّى عن فن الرسم أمام عبقرية ابنه بيكاسو، وأمثاله كثر .

لقد قال أحمد شوقي “ما استعصى على قوم منالٌ إذا الإقدام كان لهم ركابا ” . وبذلك يكون المعنى الصحيح لمقولة : ( من علّمني حرفاً كنت له نِدّاً ..لا عبداً ) أي عندما يُصبح المتعلّم نِدّاً للمُعلّم يحدث التطور والتقدّم والمنافسة ، ولأن التطوير هو ظاهرة مقصودة وليس عفوية كما ينمو النبات البري.

أي علينا أن نعمل أحسن ممّا يعمله مُعلّمينا، حتى نتمكن من إحداث التطوير والتقدّم، وإلا سنظلّ نردد ما تعلّمناه ونٌعلّمه لمن يتعلّم.

إن القواعد، والأسس، والروتين، والنظم، والانضباط، والقيود، والاتباع، والانصياع، والتقليد، والمحاكاة… وغيرها الكثير من المفاهيم والمبادئ التي إذا أسيء فهمها واستخدمت في غير سياقها، ستؤدّي إلى عكس ما تصبو إليه من مساعدة الإنسان على الإبداع والتطوير والازدهار، ومثالاً في قصة كروية الأرض عِبرة، بحجم الكون، وبالشعر الجاهلي وغناه وجزالته عِبرة أخرى قبل وضع قواعد النحو والتنقيط، ولنا أيضاً مثال علمي صارخ بعد قراءة الثابت والمتحوّل في الأدب العربي.

نتساءل كم تم تجهيلنا وتخويفنا كما فعل العلماء والفقهاء عندما أثبتوا باعتقادهم أن الله بعيد وتفصلنا مسافة كبيرة عنه لأن هؤلاء العلماء بالفعل ماكرون وبارعون، لأنهم بإثباتهم هذا الاعتقاد أصبحوا هم ممثلين ووكلاء الله في الأرض وهم من يتحكم بطريقة تفكيرنا وعلى العكس تماماً الحقيقة.

 

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz