تحرير خان شيخون أسطورة ستُدرّس للأجيال

عندما اتخذت القيادة السورية قرارها الحاسم بتحرير خان شيخون وجوارها, كانت تعرف جيداً كلّ المخاطر المحتملة لمثل هذه الخطوة.

لكن الخروقات المستمرة من قبل عصابات المرتزقة المتواجدة في تلك المنطقة جعلت مسألة تحريرها أولوية لا يمكن تأجيلها.

لذا عملت بدأب وصبر وجلد على تذليل كافة الصعاب على هذا الطريق.

العمل على تحرير خان شيخون لم يكن عسكرياً فقط. كان هناك خطر الاشتباك المباشر مع الجيش التركي وهو الأمر الذي كانت ترغب به بعض دوائر التآمر التي خططت للحرب على سورية منذ البداية.

ففي دراسة نشرها معهد “بروكنجيز” قبل عدّة سنوات, كان المخططون يأملون بوضع سورية بين “فكّي كماشة” وأن تقوم كل من “إسرائيل” وتركيا بالهجوم عليها دفعة واحدة.

لكن هذا الكلام كان خديعة للجانب التركي كي يتم استدراجه إلى حرب طويلة الأمد تُنهك كلا البلدين ويتكرر فيها سيناريو الحرب (العراقية – الإيرانية) التي أضرّت بكلا البلدين.

من هنا تأتي أهمية حِكمة وصبر القيادة السورية وبُعد نظرها الذي مكّنها من تلافي هذه المؤامرة الخبيثة بحكمة وصبر وبأقلّ الخسائر المُمكنة.

حِكمة القيادة السورية وقدرتها على إدارة المعركة تجلّت أيضاً بالجانب العسكري. فمنطقة خان شيخون كانت تقع ضمن ما كان يسمّى “مناطق خفض التصعيد” وتتواجد فيها “نقاط مراقبة” تركيّة بموجب اتفاق استانا الذي أناط بالجانب التركي مهمة “الضامن” للمجموعات المسلحة.

لكن الاتفاق يقضي بأن تقوم تركيا بلجم التحرّكات العِدائية وغير المنضبطة لهذه المجموعات, الأمر الذي فشلت تركيا بتنفيذه, ولم تقم تركيا بأيّ فعل ضدّ هذه المجموعات عندما كانت تقصف من مواقعها في “مناطق خفض التصعيد” المفترضة هذه القرى والبلدات الآمنة في ريفي اللاذقية وحماة وخاصة بلدتي السقيلبية ومحردة اللتان كانتا في مرمى نيرانهم وعانى سكانهما الكثير من هذه الخروقات غير المبررة.

بل إن استهتارهم وصل إلى حد تسيير الطائرات المسيّرة لضرب المواقع الروسيّة في مطار حميميم .

كلّ هذا وغيره, دفع القيادة السورية إلى التصميم على تحرير المنطقة مهما كانت العوائق. وكان للجانب الروسي دور بالغ الأهمية في دعم القرار السوري, حيث كان هذا الأمر من بين المواضيع التي طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء لقائه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء زيارته إلى فرنسا مؤخراً.

وعندما بدأ الجيش السوري بالتحرّك باتجاه مناطق تواجد المسلحين في المنطقة الجنوبية من إدلب, امتعضَ الأتراك وبدأوا بحملة إعلامية وأطلقوا التهديد والوعيد وأرغوا وأزبدوا.

لكن الجانب الروسي, وعلى لسان أكثر من مسؤول , أكد تأييد موسكو لسورية وحقها في التخلّص من الإرهاب والمجموعات الإرهابية.

في الجانب العسكري, تصرّفت القيادة السورية بحكمة بالغة وتصميم لا يعرف التردد. وهكذا تقدّمت القوات وفق استراتيجيات مدروسة بعناية بحيث تضمن إيصال رسالة واضحة وحاسمة بأن القرار بتحرير هذه المناطق قد اتخذ ولا رجعة عنه وبحيث تقلل من احتمالات الخسائر في الأرواح إلى الحد الأدنى الممكن.

في هذا الوقت كان المسلّحون قد حشدوا صفوفهم وقواتهم وتأهبوا للقتال.. لكن الجيش قام بعملية التفافية حول المنطقة وطوّقها وقطع عنهم خطوط الإمداد فلم يعد أمامهم سوى الاستسلام أو الانسحاب.

 ولم تجدهم نفعاً محاولة النظام التركي إرسال قافلة إمدادات, إذ قام الجيش العربي السوري بقصف تحذيري قريب من القافلة أجبرها على التراجع إلى أدراجها.

وتقول بعض المصادر الإعلامية أن عدداً من مسلحي الإرهابيين قد قتلوا أو جرحوا في تلك الضربة التحذيرية, بينما تقول بعض المصادر الأخرى أن قائداً ميدانياً واحداً على الأقلّ قد قتل.

وبعد محاصرة المناطق التي يتحصّن فيها الإرهابيون, قامت سورية بفتح ممرّ إنساني لتسهيل خروج المدنيين ومن يرغب بالمغادرة.

وبعد دخول الجيش إلى خان شيخون والبدء بعمليات التمشيط وتفكيك الألغام ومخلّفات الذخائر التي تركها الإرهابيون وراءهم, ظلّ الناس في حالة ترقب وانتظار, إذ لم يتم الإعلان رسمياً عن هذا النصر الكبير إلا مساء يوم الجمعة الواقع في الثالث والعشرين من شهر آب الحالي.

فيا له من نصر نظيف حققته سورية وجيشها البطل بما يشبه المعجزة الأسطورية التي تناغم فيها فنّ السياسة والدبلوماسية مع الحسم العسكري والتخطيط الاستراتيجي.

إنـه فـن صـناعة التاريـخ .. مبـروك ســورية ..

(syrianfacts.com)

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz