تغييرات كُبرى في رقعـة شـطرنج الشـرق الأوسـط

تمكن الجيش العربي السوري, بمساندة من الطيران الروسي, من استعادة خان شيخون مؤخراً بأسلوب عسكري روسي كلاسيكي.

فقد قام بتطويق أعدائه وقطع عنهم خطوط الإمداد والتراجع. بلغتهم اليومية, يُطلق العسكر الروس على هذا الوضع تسمية “المِرْجَل” أو “القِدر” (لأن العدو في هذه الحالة يصبح مُحاصراً وغير قادر على فعل أي شيء كما لو كان قِدراً وضع على النار وما عليك سوى أن تتركه يغلي حتى ينضج ما فيه ولكننا سنستخدم هنا مصطلح “الطوق” إضافة إلى المصطلح الأصلي وفق ما يقتضيه النص – المترجم).

سيكون هذا “المِرجل” أو “القِدر” هو الأول من بين قدور كثيرة يعمل الجيشان العربي السوري والروسي على تهيئتها أثناء خوض المعارك واحدة تلو الأخرى لاسترداد محافظة إدلب بالكامل من قبضة مسلحين مرتبطين بالقاعدة استمرت سيطرتهم على المحافظة لما ينوف على سنوات سبع كانوا خلالها يُغَيرون أسماءهم وولاءتهم كما يغيّر المرء ملابسه الداخلية.

لكن الطوق الحقيقي والأهم هو الذي بدأ يتشكل ليس في سورية, بل حول “إسرائيل”. التيار التوسّعي المتشدد في “اسرائيل” بزعامة بنيامين نتنياهو حُظي مؤخراً برئيس أمريكي يلتزم بخطهم كامل الالتزام اسمه “دونالد ترامب”.

ترامب عدًل السياسة الخارجية الأمريكية من محاولة تدمير سورية إلى محاولة تقويض استقرار روسيا نفسها ومحاولة الإبقاء على وسط آسيا في حالة من الفوضى لتنفيذ شعار “اجعل إسرائيل عظيمة مرة أخرى”.

(أي أنه لا يعمل على تحقيق شعاره المطروح ” لنجعل  أمريكا عظيمة مرة أخرى ” بل يخدم مصالح كيان آخر).

ترامب قلب التوازن في واشنطن من مجرّد نثر بذور الفوضى لإحباط خطط الاندماج طويلة الأمد التي تسعى إليها كل من روسيا والصين وإيران إلى سعي حثيث لمساعدة اسرائيل على تحقيق حلمها المزمن بالسيطرة على شرق أوسط مُفتت وخاضع بالمطلق.

لكن مع كل نصر كان يُحققه رجال النمر من قوات الجيش العربي السوري بمساندة القوات الجوية الروسية كان هذا المشروع يتهاوى بوصة بعد أخرى.

فكلّما ازداد حكم الرئيس السوري بشار الأسد في سورية قوة كلّما تمكّنت البلاد من إعادة الإعمار ممّا سيزيد الضغط على الحلفاء الثانويين الذين يقدّمون الدعم والمساندة للإسلاميين المتطرفين الذين يسمّيهم الإعلام الغربي “الثوار المُعتدلين” التابعين لأمريكا وإسرائيل والسعودية وبريطانيا.

الحلفاء الثانويون المُشار إليهم هنا هم كل من قطر وتركيا والامارات وفرنسا وألمانيا. فعلى مدى السنوات الأربع الماضية ومنذ أن قررت روسيا الدخول إلى سورية متحدية بذلك الولايات المتحدة علناً, بدأت مُعظم هذه الدول بالتراجع رويداً رويداً عن دعمها لمخطط تغيير النظام في سورية.

آخر هذه “القِلاع” كانت تركيا بزعامة رجب طيب اردوغان الذي حاول الاستمرار باللعب على التناقضات على أمل أن يتمكن, تحت سِتار ضباب الفوضى والمعارك الناشبة, من أن يظفر بإدلب وحلب ومنبج.

مراوغة أردوغان وخداعهُ تبديتا للعيان مؤخراً عندما عقد صفقة “أمنية” مع الولايات المتحدة لاحتلال جزء من الأراضي السورية شرق الفرات, بينما كان في الوقت ذاته يحاول استغلال الاتفاق الذي توصّل إليه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  بخصوص “منطقة خفض التصعيد” في محافظة إدلب.

تجلّت تلك المراوغة أيضاً من خلال محاولته إرسال الامدادات العسكرية للمسلحين الذين يرعاهم في تلك المنطقة بينما كان الجيش السوري على وشك محاصرتهم.

لذا جاء الدعم الجوي الروسي للطيران السوري الذي قام بقصف تلك القافلة بمثابة رسالة تحذير صارمة لأردوغان بأنه لم يعد ” ضابط الإيقاع ” وأن وقته قد أزف أو أوشك على الانتهاء, وأن عليه من الآن وصاعداً أن يحدد مواقفه وتحالفاته وإلا فإنه سيُترك في العراء حتى يجفّ وتذروه الرياح.

قد ترغب روسيا بأن يبقى أردوغان في سدّة الحكم في تركيا لبعض الوقت, لكن عليه أن يوازن أهدافه التوسعية في سورية مع بديهيات “سياسة الواقع” التي تقول أنه بدون الدعم الصيني والروسي فإن الاقتصاد التركي سوف ينهار.

معركة إدلب ستكون على الأغلب أقلّ دموية ممّا كان يُعتقد سابقاً, إذ يتوجّب على أردوغان التخلّي عن أحلامه بها وأن يقنع بمجرد محاولة تخريب الصداقة القائمة بين الأكراد والولايات المتحدة, لأن هذا هو الخطر الوجودي الذي يهدد مستقبل تركيا.

استعدّوا إذاً لمشهد مشابه لما حصل أواخر العام (2016) وبداية العام (2017) أثناء تحرير حلب.

فبعد أن باتت خان شيخون في أيدي الحكومة, سيتم الانتهاء من الفصائل “الاسلاموية” المسلّحة في إدلب وتركيا لن تغامر بحرب مفتوحة مع روسيا حول هذا الأمر. فقوات أردوغان مُنخرطة للتو في المنطقة أكثر ممّا ينبغي .

سوريا ستشكل الجزء الغربي من “الطوق” الذي سيحيط باسرائيل. وحالما يتم تثبيت الوضع في إدلب سينصبّ الاهتمام على القاعدة الأمريكية قرب المعبر الحدودي في التنف.

الحكومة العراقية غاضبة للغاية من إسرائيل لأنها قصفت مخازن أسلحة قرب بغداد مؤخراً وأعلنت منطقة حظر طيران فوق البلاد.

إسرائيل تُدرك أهمية الميليشيات, المعروفة محلياً باسم وحدات الحشد الشعبي, في الحفاظ على استقلال البلاد من السيطرة الأمريكية الفعلية على الأرض.

وطالما أن ترامب يرفض الاستجابة لما يدعوه إليه مستشاروه, وكلّ من إسرائيل وربما الاستخبارات البريطانية أيضاً, للبدء بحرب مفتوحة مع إيران, فإن إسرائيل تشعر بأنها باتت مُعرّضة للخطر وهي ترى العمل يسير حثيثاً لربط كل من إيران والعراق مع سورية.

إيران كشفت مؤخراً عن نظامها الصاروخي الجديد المُضاد للصواريخ وهو نظام (برافار- 373) الذي يُقال أنه يتفوّق في أدائه على نظام الصواريخ الروسي (300 S) من حيث قدرته على رصد وكشف الأهداف المُعادية المتخفية.

إيران لم تدخل عالم تصنيع وبيع السلاح على المستوى الدولي وحسب بل وجّهت تهديداً صريحاً لإسرائيل بأن الأيام التي تستطيع فيها أن تُرسل طائراتها لتُحلّق في أجواء المنطقة حيثما تشاء وتقصف كل ما لا يُعجبها حين تشاء ستولّي قريباً  وسرعان ما سيوضع حدّ لذلك.

سيتوجّب على إسرائيل أن تحاول المحافظة على قدرات سلاحها الجوي وأن تبقيها في حالة سيطرة على أجواء الشرق الأوسط وأن تتمكّن علناً من مهاجمة أي هدف تشاء فهذا يعزز بروباغندا الحرب في الولايات المتحدة ويساعد أنصار الحروب في كسب المزيد من التأييد في لجنتي الشؤون الخارجية في مجلسي النواب والشيوخ إضافة إلى ما يمنحها إياه من دعم في الداخل الاسرائيلي.

لكن هذا مجـرّد وهـم .. فالطوق يضيق حول عنقها ومع كل حدث مُشابه للحدث الأخير سيزداد الاحساس بمضاضة اليأس والمرارة.

السعوديون خسروا حربهم في اليمن. والحوثيون تمكنوا من مقاومة الهجوم فالمسيّرات التي تزوّدهم بها إيران تمكّنهم من قصف الأهداف التي يريدون وقتما يشاؤون وأينما كانت مواقعها, ممّا يهدد صناعة النفط السعودية.

العراق أعادت فتح معبر البوكمال الحدودي مع سورية للمرة الأولى منذ سبع سنوات. وطهران تعمل على تحسين الطرق السريعة التي تربطها بسورية لتسهيل التجارة.

سيؤدي هذا إلى كسر حالة العقوبات والحصار التي يفرضها ترامب على كل من إيران وسورية.

التوريدات والمبادلات التجارية البرية يمكن أن تبدأ من الآن والحظر الذي تفرضه واشنطن على إعادة إعمار سورية ليس له أي تأثير على المستوى الدولي.

لكن الخبر الأهم هو أن طهران تقترح على سـورية مـدّ خطوط أنابيب لضمان إمداداتها من الطاقة مستقبلاً.

وفقاً للمصدر, هناك خياران مطروحان في هذا الصدد : الأول هو خط أنابيب بطول (1000) كيلومتر يمر عبر العراق إلى سورية.

والخيار الثاني هو أن يقوم الجانب الإيراني بإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك بانياس الذي يبلغ طوله حوالي (800) كيلومتر وهو الخط الذي تم تدشينه في أوائل الخمسينات من القرن الماضي ويمتد من المدينة العراقية الشمالية إلى سورية, لكنه توقف عن العمل عام (1982) مع بدء الحرب العراقية – الإيرانية كما تعرّض للكثير من التخريب بسبب الضربات الجوية الأمريكية أثناء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

تُقدّر الاستطاعة الإجمالية لخط الأنابيب هذا بحوالي (1,25) مليون برميل من النفط يومياً وهي كمية تعادل نظرياً نصف ما كانت عليه كمية التصديرات النفطية قبل فرض العقوبات.

خطط كهذه ما كانت لتُطرح علناً لو لم تكن هناك ثقة بإمكانية تحقيقها وترجمتها على أرض الواقع.

الموضوع الآن قيد المفاوضات بين إيران والعراق. الولايات المتحدة وإسرائيل لن تتمكنا من التأثير في هذا الأمر بعد أن أبعدت إسرائيل نفسها تماماً عن الحكومة العراقية الحالية.

وهكذا بدأ يتشكل الطوق (المرجل) حول اسرائيل. السعودية في ورطة كبيرة ومصر رفضت الانخراط بمخطط ترامب لإقامة “ناتو عربي” ورفضت الاشتراك بخطة كوشنر المسمّاة بـ”صفقة القرن”, ممّا أحدث تغييراً أساسياً في رقعة الشطرنج عكس مصالحهما (أي ضد مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل).

نتنياهو راهن على ترامب, لكن ترامب فشل في تحقيق أحلام هذا الأخير.

عند كل منعطف, كانا يواجهان خصوماً يتمتعون بالكثير من الصبر والأناة ويتمحّصون دقائق الأمور بكل عناية فقرأوا رقعة الشطرنج أفضل منهما ولم يتعاملوا بردّات الفعل ولم يردّوا على الاستفزازات المُتعمّدة, بل تركوا الأمور تأخذ مجراها وانتظروا اللحظة المناسبة.

الهجوم المضاد سوف يبدأ قريباً, وأعتقد أنه سيكون في غاية الدقة والقسـوة.

  • المقال للباحث ” توم لونغو “.

  • نُشــر بالانجليزية في موقع (Strategic Culture Foundation).

  • وتمّـت ترجمتـه لموقـع (Syrianfacts).

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz