صناعة عِلم الجَهل والتجهيل

هل هناك علم اسمه علم الجهل والتجهيل، مثلما يوجد علم اسمه الفيزياء أو ما شابه ؟؟ وكيف للعلم أن يكون مُجهّلاً ؟؟

الأگنوتولوجيا، أو علم الجهل، علم يُعنى بدراسة الإنتاج الثقافي للجهل.

وقد صاغ هذا المصطلح مؤرخ العلوم روبرت بروكتر (Robert N. Proctor) عام 1992، ومنحه رؤية جديدة لدى تيار تاريخ العلوم وجعل من الجهل ذاته موضوعاً للدراسة.

بدلاً من ذلك السؤال التقليدي، ما هو العلم؟ (السؤال الكلاسيكي للابستيمولوجيا)، أو ما هي الظروف الاجتماعية والتاريخية لمعرفتنا؟

(السؤال الكلاسيكي للسوسيولوجيا وتاريخ العلوم)، هذا المؤرخ انطلق من السؤالين التاليين: كيف ولماذا “لا نَعْرف ما لا نعْرف”؟

بيد أن الشروط متاحة من أجل تحصيل معرفة موثوقة ومأمونة الجانب.

ووفقاً لهذا المؤلف، فإن علم الجهل ليس فقط دراسة الجهل، ولكنه يعني أيضاً دراسة الممارسات التي تسمح بإنتاجه.

كما يشمل هذا المفهوم الإنتاج الثقافي للجهل – كما هو شأن البيولوجيا التي أحاطت في وقت واحد بدراسة الحياة وبالحياة نفسها.

علينا أن ندرك أن الجهل ليس مجرد فراغ يتم تعبئته بالمعرفة ولا حدّاً لم يعبره العلم بعد. هناك سوسيولوجيا الجهل، سياسة الجهل؛ لها تاريخ وجغرافيا – ولها بشكل خاص- جذور وحلفاء أقوياء.

صناعة الجهل لعبت دوراً هاماً في نجاح العديد من الصناعات. ذلك أن الجهل قوّة، وهي قوّة لا يمكن مجابهتها إلّا بعلم الجهل عبر تحليل الميكانيزمات المعرفية القادرة على بثّ روح الارتياب في الرأي العام، وخاصّة تلك الطرق الّتي تستخدمها جماعات الضغط عندما تكون مصالحها مهددة بفعل الاكتشافات العلمية.

يتعلق الأمر بأن ننظر إلى الجهل ليس فقط بوصفه أمراً محتوماً، أو كمحصّلة ضروريّة من أولويات برامج البحوث لدينا، ولا حتى كفشل جزئي للنسق التعليمي، كما يريده نموذج “الإفلاس” (deficit model).

ولكن أن ننظر إليه بوصفه ناتجاً أحياناً عن فعل ما  (action) يمكن إنشاء الجهل من كلّ العناصر، من خلال استراتيجيات التضليل، والرقابة، أو يمكن صيانته من خلال استراتيجيات الطعن في مصداقية العلوم، ومن خلال فاعلين أفراداً أو جماعات، سواءً كانت دولة، مؤسسات أو جماعات الضغط …

من هم مستهلكو سلعة الجهل ؟؟؟ هم ثلاث فئات في كل مجتمع:

  • الفقراء في المجتمع : وجلّهم من الأقليات الاجتماعية والدينية وعمّال البلديات، وفقراء المناطق النائية وفقراء الريف وعمّال المزارع، وما شابه هذه التصنيفات. لكن الفاجعة هي استهداف معلّمي المدارس وأساتذة الجامعات في الفئة المستهدفة من هذه السِلعة الملعونة.

  • المتطرّفون الدينيون المُستسلمون للقدر الذي يظنون أنه لا يتغيّر، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية تجهيل أكبر عدد ممكن من الناس الذين لديهم ميول دينية.

  • المغفلون الذين يعملون في الحكومات وعلى وجه الخصوص حكومات الدول الفقيرة، وبالتحديد فئة التكنوقراط (الفنيين) الذين يقدمون النصح والمشورة لمتخذي القرار في دولهم, فيتم تدريب هؤلاء على تمرير الجهل وتبريره تحت مسمّى النظرية والعلم والإمكانيات والموارد، ويأتي في مقدمتهم المعنيون بالشأن السياسي والاقتصادي إذ تنحصر مهامهم في بثّ روح اليأس في نفس صاحب القرار من إمكانية الإصلاح وممارسة الكذب، والكذب على عامة الناس, وترسيخ الأكاذيب في أذهان العامة على أنها حقائق لابد أن يدافعوا عنها.

إن بثّ العداوة بين الأشقاء يندرج تحت صناعة وتسويق الجهل.

وهو ما اجتهد به صانعو الجهل منذ العام 1906 منذ مؤتمر “هنري كامبل بانيرمان” Henry Campbell Bannerman.

والذي انعقد في لندن ودام لشهرٍ كامل، وتم فيه رسم السياسة المتعلقة بالمنطقة العربية، قبيل انهيار الدولة العثمانية.

ومن تلك السياسات أن تطلُبَ الدولة العربية تأشيرة دخول للمواطن العربي الذي كان من التبعية العثمانية، ويعيش على بعد أمتارٍ معدودة من حدودٍ رسمها ساسة المؤتمر.  كان أحد وزرائه اسمه “ريتشارد هالدن” قد قال مُتهكّماً  : (سأجعل من بلادكم شعوباً متناحرة).

نقرأ كثيراً في السياسات المحلية للدول المختلفة، وعندما ندقق في عمق الأوضاع السائدة في الدول المعنية لا نستطيع أن ندحض مصداقية هذا العلم وهندسته وصناعته، وآثاره المُدمّرة.

فاتعظـوا يا أصـحاب العُقـول..

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz