نسخة سكوفيلد من الكتاب المقدّس

صحيح أن فكرة (المسيحية – الصهيونية) قد بدأت بالتبلور قبل صدور هذا الكتاب بزمن ليس بالقصير.

لكن من الواضح أن هذه النسخة “المرجعية” من الكتاب المقدّس (الذي يضمّ العهدين القديم والجديد) قد ساعدت كثيراً في ترويج هذه الأفكار.

فكيف ومن كان وراء إصـدار هذه النسـخة؟

قبل عدّة سنوات, تصدّى “ميدك أوكاثيل” لهذا الموضوع الخطير وعرّى عدم صحّة التفسيرات المُعتمدة في هذه النسخة مُسلّطاً الضوء على الجوانب المُريبة في شخصية الكاتب غير المؤهّل أساساً لكتابة شروح لكتاب مقدّس.

كما كشف بعضاً من ارتباطاته المشبوهة والدور الذي لعبته بعض الشخصيات المؤثرة في إقرار ونشر هذه النسخة من “الشروحات والتفسيرات” غير الصحيحة وغير الدقيقة.

ففي مقال قصير نُشر في موقع “واشنطن ريبورت” حول قضايا الشرق الأوسط, كتب “ميدك أوكاثيل”: “ساهمت نسخة سكوفيلد من الكتاب المقدّس, منذ أن نُشرت للمرة الأولى عام (1909), في أدلجة عشرات الملايين من الأمريكيين وجعلهم صهاينة مُتشدّدين لا يقبلون المساومة على دعمهم للصهيونية.

فعندما قال “جون هاغي”, مؤسس  حركة “مسيحيون متحدّون من أجل إسرائيل”, أن خمسين مليون مسيحي إنجيلي من المؤمنين بالكتاب المقدّس يقفون صفاً واحداً في اتحادهم مع خمسة ملايين يهودي أمريكي لصالح إسرائيل, كان مرجعه في ذلك هو نسخة “سكوفيلد” من الكتاب المقدّس.

وبالرغم من أن نسخة سكوفيلد من الكتاب المقدّس تضمّ بين جنباتها النصّ الكامل لنسخة الملك جيمس المُعتمدة من الكتاب المقدّس, إلا أنها ليست الكتاب التقليدي المُعتمد لدى البروتستانت بل هي أقرب ما تكون إلى سيروس الأول.

( نسخة الملك جيمس من الكتاب المقدّس هي النسخة المُعتمدة في أغلب أنحاء العالم وقد سُمّيت باسمه لأنه هو من أصدر الأوامر بترجمة نصوص الكتاب المقدّس إلى الانجليزية وجمع من أجل هذه المهمة عدداً كبيراً من رجال الدين المسيحي والمترجمين والمدققين اللغويين الذي عملوا بجدّ على هذه النسخة حتى صدرت في العام (1611). ولهذا فهي تسمّى أحياناً بنسخة الملك جيمس نسبة له أو “النسخة المُعتمدة” ).

المشكلة في نسخة سكوفيلد هي في تعليقه المُنمّق وحواشيه وشروحاته التي دفعت أجيالاً من الأمريكان الإنجيليين إلى الإعتقاد بأن الله يأمرهم بدعم دولة إسرائيل الحديثة دون تفكير أو تدقيق أو تساؤل.

وتقع ملحوظة سكوفيلد حول الآية 12:3 من سفر التكوين أو بالأصحّ تفسيره الخاص لهذه الآية, في صلب معتقدهم الديني. الآية تقول: “سأبارك من يباركك.. وألعن من يلعنك”.

حاشية أو ملحوظة سكوفيلد حول هذه الآية تقول: الشطر الثاني مُتمّم للأول تماماً ومتصل به اتصالاً وثيقاً وهذا ما تجلّى عبر التاريخ وطيلة “فترة الشتات”.

ثم يزعم  أن الشعوب أو الأمم التي اضطهدت اليهود قد لاقت مصيراً سيئاً بينما سارت الأمور على خير مع الشعوب التي وفّرت لهم الحماية” !!!. مُعتمداً على هذا التفسير المُنحاز والمشكوك بصحته.

ويزيد “هاغي” من الشعر بيتاً فيزعم : ” أن كل من يرفع صوته أو يده على إسرائيل أو ضدها, سواءً كان شخصاً أو أمة كاملة, سوف يبوء بغضب الله” !!!.

لكن مثلما وضّح “ستيفان سيزر” في كتابه النقدي الفاصل ” الصهيونية المسيحية: خارطة طريق إلى هرمجدون؟ “. والذي يقول فيه : ” الوعد الذي يشير إلى نسل إبراهيم, إنما يتحدث عن بركة الله الممنوحة لهم حصراً وليست بركةً لأمم عبرية بكاملها ناهيك عن أنها بالتأكيد ليست لدولة إسرائيل العلمانية المُعاصرة “.

وكأن هذا كلّه لم يكن يكفي. ففي العام (1984), أصدرت دار جامعة أوكسفورد للنشر ما أسمته “دراسة سكوفيلد الجديدة للكتاب المقدّس”.

وهذه النسخة تكثّف تفسير سكوفيلد وتضيف إليه: ” الأمة التي ترتكب إثم معاداة السامية سينالها غضب الله حُكماً ” أي لا محالة!!.

وهذا تفسير غريب وغير علمي لنصوص الكتاب المقدّس.

ويخلص سيزر إلى أن المسيحية الصهيونية, ومن خلال اعتمادها في قراءتها للتاريخ والأحداث المُعاصرة على تفسيرات واجتهادات ضبابية ومُبهمة لنصوص انتقائية من الكتاب المقدّس, فإنها تضع إسرائيل والشعب اليهودي بمُعزل عن باقي شعوب الشرق الأوسط وتبرّر من خلال ذلك هذه العنصرية المتأصّلة في الفكر الصهيوني كما أنها تُفاقم التوتر بين اليهود والفلسطينيين وتقوّض بذلك محاولات إيجاد حلّ سلمي للنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي.

كل هذا لأنهم يظنّون أن الكتاب المقدّس يأمرهم بذلك”..

لكن من هو سكوفيلد؟ في كتابه الصادر عام (2008) بعنوان: “تاريخ دولة ثورية”, يصف “جوناثان أدلمان” الدعم الحاسم الذي تتلقاه إسرائيل من الأصوليين المسيحيين بأنه “مِن محاسن الصدف”!!.

لكن السيرة المهنية للرجل الذي خطّ هذا الكتاب الذي يتخذه الأصوليون كمرجع لهم تشير إلى شيء آخر وهو أن هذا لم يكن صدفة.

سكوفيلد اللامعقول : بعد سنتين من إعلان سكوفيلد اعتناقه المسيحية عام 1879, أعربت صحيفة أتشيسون باتريـوت (The Atchison Patriot) عن امتعاضها ووصفت سكوفيلد الذي كان عضواً فيها بأنه “المحامي والسياسي الراحل الذي يمكن وصفه بأنه مراوغ وعديم النزاهة عموماً”.

وتمضي المقالة التي نُشرت في تلك الصحيفة إلى تِعداد غيض من فيض من أفعال سكوفيلد “الخبيثة”. ومن بين هذه الأفعال: سلسلة من أعمال التزوير في مدينة سانت لويس والتي حُكم عليه بموجبها بالسجن لمدة ستة أشهر.

ومع أنه واعظ “ولِد من جديد” (وهذا تعبير عن حداثة اعتناقه للمسيحية), إلا أن ذلك لم يَحُل دون انضمامه إلى أحد النوادي الحصرية للرجال في نيويورك عام (1901).

ففي كتاب حول السيرة الذاتية يفضح فيها الكثير من جوانب شخصيته, يقول جوزيف كانفيلد: إن قبول سكوفيلد في نادي اللوتس, وهو أمر ما كان له أن يحلم به,  يُعزز الشكوك التي أثيرت سابقاً وهي أن ثمّة شخصاً ما كان يوجّه مسيرته المهنية (والإشارة هنا لسكوفيلد. أي أن هناك من كان يساعده ويوصله إلى مواقع لا ينبغي له أن يتبوأها).

ويعتقد كانفيلد أن هذا الشخص لا بدّ وأن يكون على صِلة بعضو محدد من أعضاء النادي وهو محامي وول ستريت “سامويل أنترماير”.

ويبدو أن ظنون كانفيلد في محلّها, فما كتبه سكوفيلد في مجال علم اللاهوت قدّم خدمة جليلة للمصالح الدولية المتعلقة بأحد مشاريع أنترماير المفضّلة وهي الحركة الصهيونية.

بعض الكتّاب الآخرين كانوا أكثر وضوحاً وصراحة في كشفهم لطبيعة سكوفيلد والخدمات التي قدّمها للحركة الصهيونية.

ففي كتابه المُعنون: “نظرية حرب ظالمة: الطريق إلى القدس”,  يقول البروفسور ديفيد دبليو لوتس: ” سكوفيلد, محامٍ من مدينة كنساس ليس لديه أي تمرّس أو تدريب رسمي في علم اللاهوت. ومع ذلك استخدمه انترماير في ضخّ الأفكار الصهيونية في عقول البروتستانت الأمريكان. لقد كان انترماير وغيره من الأثرياء الصهاينة ذوي النفوذ مَن دَعمَ سكوفيلد وأوصلوه إلى هذا الموقع الهام, كما أنهم هم من موّل سفراته إلى أوروبا ” .

في إحدى سفراته إلى أوروبا, أعرب المسؤول عن دار جامعة أوكسفورد للنشر “هنري فروم” باهتمامه بمشروع سكوفيلد فور طرحه عليه.

ووفق كتاب السيرة الذاتية لفروم, يمكن اقتباس التالي: ” بالرغم من أنه المسؤول عن دار أوكسفورد للنشر, إلا أن فروم لم يكن يبدي أيه وجهات نظر دينية.

وكل حياته المسيحية كانت مرتبطة بـ “الإخوة” وهو تنظيم حصري يشير إلى مجموعة من المسيحيين الإنجيليين.

انشقت هذه المجموعة عام (1848) وشكّلت ما يُعرف باسم “أخوة بلايموث” بزعامة “جون نيلسون جاربي” المبشّر (الأنجلو- ايرلندي) الذي يُعرف عموماً بتأثيره الكبير على تطور حركة الصهيونية المسيحية وكان له تأثير كبير على سكوفيلد ذاته.

 إرث سكوفيلد: لو لم تُنشر نسخة سكوفيلد من شروحات الكتاب المقدّس, لربما كان الرؤساء الأمريكيون الذين تأثروا بفكر المسيحية الصهيونية من أمثال (ترومان وجونسون وريغان وجورج دبليو بوش) أقلّ تعاطفاً مع المطالب الإسرائيلية وبالتالي أكثر تجاوباً واهتماماً مع المصالح الأمريكية.

كما كان الشعب الأمريكي قد وفّر على نفسه عناء سماع خُطب الردح التي يُتحفهم بها كلّ من “جون هاغي” و “بات روبرتسون” وأمثالهما, ناهيك عن “نبوءات الصدع العظيم” التي يروّج لها “هال ليندسي” و “تيم لاهاي “.

ويختم (ميدك أوكاثيل) بالقول: ” لكن المشكلة هي أن شعوب الشرق الأوسط هي من تحمّلت المآسي بسبب سياسة إسرائيل التوسّعية التي يغذّيها ويدعمها ولاء مطلق من قِبل المسيحيين الصهاينة الذين يؤمنون, مع الأسف, بأن ما كتبه سكوفيلد هو كلام الله “.

  • تمّـت ترجمـة النـصّ لموقـع (Syrianfacts)

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz