من النقـاء إلى البقـاء

النقاء هو الطريق للبقاء، وهو ليس مجرّد حلم يُداعب النفس ولا هو وصف يحوم على أطراف المعارك الكبرى، إن النقاء بالمعنى المنهجي هو تخليص النفس البشرية ممّا لحق بها من سلبيات وجهل وسلوكيات تنعقد حول الذات وتتضخم إلى أن تصبح آفة تأكل ما حولها وتغطي بظلال قاتمة على ما هو قائم في الظلّ أو مُحتجب بغلالات العادات و التقاليد.

وبالمستوى الوطني فإن النقاء هو المُعادل الطبيعي والإرادي للقيم الوطنية عبر خط السير الواضح من المواطنة حيث يشترك الجميع إلى الوطنية حيث يصبح الوطن هو المُعتقد وهو الهدف وهو معيار كل سلوك و تصرّف.

ولنلاحظ الواقع فالشهداء فيه هم الأنقياء أي الذين خرجوا من دائرة الذات إلى رحاب العطاء والخلود وهؤلاء عبر النقاء هم الذين يُنجزون التجربة الوطنية بأسمى معانيها وأوسع دوائرها حيث تتحقق الفكرة الأساس التي تنصّ على أن الوطن القوي في المحصّلة هو الذي يصوغ الأفراد و الجماعات الأقوياء فالوطنية والقوة قاعدتان متلازمتان.

إذن الوطن القوي يُنتج أفراداً أو شرائح و مجموعات قوية، لكن وجود نماذج قوية بالمعنى الدارج في الحياة العامة أي من تلك النماذج التي ملكت المال وسطوة القرار وطاقة التحكم بالآخرين الضُعفاء، كلّ هذه العيّنات لا تدلّ على أن الوطن قوي، إنهم في المُحصّلة المؤشرات السلبية التي تجمع ولا تعطي وتستمتع برفاهية الغريزة ولا تقيم وزناً لمن يبني الوطن ولمن يحميه ولا يخطر ببال هذه الشرائح ما في بيوت المُعذّبين في الأرض من آلام و تحديات تصل إلى حدود لقمة العيش.

من هنا كان الطريق إلى الحالة الوطنية هو السالك إذا ما توفّرت له التربية والأفكار الناظمة والضوابط الدقيقة الحاسمة والثقافة التي تحمل من الإنسان عمقه وتستحضر من الآخرين معاناتهم ثم يُصاغ النظام السياسي والاجتماعي على أساس إنتاج الوطن القومي والفني والمكتفي ذاتياً والمتناسب والمتناوب على أدوار الالتزام بالقيم وإنتاج الخيرات المادية وتوزيع الثروة العادلة وفتح الفرص على مصراعيها أمام الذين يُعطون والذين يُضحّون في الزمن الصعب وفي المعارك المحتدمة.

وهم ما بين شهيد خالد ومُنتظر على الدور في موكب الشهادة لكنهم جميعاً لم يبدّلوا ولم تأخذهم الغرائز و الشهوات القاتلة إلى الحد الذي يقتلون الآخر في سبيل أن يؤمّنوا لأنفسهم السعادة الكاذبة والقاتلة.

 بقلم : ( د.أحمد الحاج علي )

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz