القوات الأمريكية لم تقصف معمل لافارج المتورّط بمساعدة داعش إلا بعد انسحابها

بقلـم : ( طوني كارتالوتشي )

بقدر ما كان قصف القوات الأمريكية المُنسحبة لواحدة من قواعدها العسكرية في شمال سورية عملاً لافتاً ودالاً على تضاؤل فرصها وحظوظها في سورية بقدر ما كان يُخفي أمراً  أبعد و أكثر خُبثاً.

في مقال لها حول هذا الموضوع  أوردت شبكة (سي إن إن) الأمريكية اقتباساً من تصريح أدلى به الناطق العسكري باسم قوات التحالف العقيد “مايلز كاجينز” يؤكد فيه ما يلي: ” في السادس عشر من شهر تشرين الأول وبعد إتمام انسحاب كامل أفراد وعديد طواقم التحالف إضافة إلى سحب جميع التجهيزات التكتيكية الأساسية, قامت طائرتان أمريكيتان من طراز (إف 15 إي) بشنّ غارة جوية دقيقة التصويب مُخطط لها مٌسبقاً على معمل لافارج للأسمنت وتمكّنت من تدمير مستودع أسلحة وذخائر بحيث لم يعد للمعمل قدرة على أداء أيّة وظيفة عسكرية ولم يعد قابلاً للاستخدام العسكري”.

والحقيقة أن الغارة قد أدّت بالفعل إلى إنهاء أية إمكانية لاستخدام المعمل إذ تحوّل إلى ركام ولم يعد صالحاً للاستخدام على الإطلاق.

لكن ما أغفلته شبكة الـ “سي إن إن” ولم تأتِ على ذكره هو أن معمل لافارج كان يُقدّم الخدمات لتنظيم داعش ومن بعدها لقوات الاحتلال الأمريكي, كما يتبيّن من نظرة سريعة على تاريخه الطويل والمشبوه.

في العـام ( 2018 ) نشـرت صـحيفة الغـارديان مقـالاً حـول الموضـوع تحـت عنـوان :  ” معمل لافارج مُتهم بالتواطؤ بجرائم ضدّ الإنسانية في سورية “.

وقيل حينها أن الشركة المالكة للمعمل كانت تدفع ملايين اليوروهات للإرهابيين بمن فيهم عناصر من تنظيم داعش لقاء توفير الحماية أي ما يشبه ” الخوّة ” وأنها اشترت لهم المؤن وأنها ربما باعتهم بعض الاسمنت.

فقد ذكر المقال حينها ما يلي : ” وجّهت الاتهامات يوم الخميس إلى شركة لافارج العملاقة بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وبتمويل الإرهابيين بناءً على مزاعم بأنها دفعت الملايين للجهاديين, بمن فيهم عناصر من تنظيم داعش, وذلك لإبقاء المعمل مفتوحاً وقادراً على العمل في سورية التي تعيش حرباً طاحنة “.

كما ذكرت الصحيفة حينها, نقلاً عن مصدر مُقرّب من التحقيق قولها أن المحققين يشكّون بأن تكون شركة لافارج قد باعت الاسمنت لداعش.

الأسوأ من ذلك هو أن الحكومة الفرنسية, كانت ومنذ العام (2014) على تواصل شبه دائم مع واشنطن كي تبقي معمل لافارج خارج الصِراع أو القصف بالرغم من دوره المركزي بمساعدة داعش وتوفير الدعم المادي لهذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإرهابية الأخرى في سورية.

ففي العام (2018), ذكرت وكالة (رويترز) في خبر حصري أن فرنسا قد طلبت من الولايات المتحدة عام (2014) الامتناع عن قصف معمل لافارج في شمال سورية بالرغم من تواجده حينها في منطقة كانت واقعة تحت سيطرة تنظيم داعش.

وقد استندت الوكالة في خبرها هذا إلى ما قالت أنه رسائل إلكترونية (إيميلات) كانت من بين وثائق عديدة أخرى تتعلق بالتحقيق الذي كان يجري حول نشاطات الشركة وعملياتها في سورية.

وبينما تحاول (رويترز) أن تتساءل عمّا إذا كانت الولايات المتحدة تعلم أو لا تعلم بأن المعمل يقدّم العون لتنظيمات إرهابية إلا أنه من غير المعقول الافتراض بأن واشنطن لم تكن قادرة على فكّ هذا اللغز وهو أنه كيف تسنّى لشركة غربية الاستمرار في أداء أعمالها في قلب منطقة خاضعة لتنظيم داعش.

لذا لم تقم الولايات المتحدة بقصف هذه المنشأة إلا بعد أن تمّت هزيمة التنظيم في المنطقة التي كان يتواجد فيها وبعد أن باتت القوات السوريّة على وشك الوصول إلى المنطقة واستعادتها إلى كنف الدولة.

حينها فقط قررت الولايات المتحدة قصف المنشأة التي ظلّت تعمل هناك على مدى سنوات تقدّم العون خلالها لتنظيم إرهابي تدعمه واشنطن ومن ثم لقوات الاحتلال الأمريكي غير الشرعي ذاتها.  وبينما تؤكد الأدلة المتعددة ومن بينها وثائق الاستخبارات العسكرية الأمريكية ذاتها ناهيك عن الإيميلات المسرّبة لوزيرة الخارجية الأمريكية سابقاً “هيلاري كلينتون” والتي تؤكد جميعها على أن نشوء القاعدة وداعش في سورية كان نتيجة للأنشطة الواسعة والمتعمّدة لكلّ من الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر, تبقى حقيقة أن الولايات المتحدة قد قامت مؤخراً بقصف وتدمير منشأة كانت تقدّم العون لداعش والقاعدة فقط عندما بات واضحاً أن أياً من هذين التنظيمين لن يكون قادراً على الاستفادة منها أو استخدامها لهو بمثابة دليل إضافي على ضلوع الولايات المتحدة المتعمّد ودورها المركزي في هندسة و تنفيذ وإطالة أمد الحرب التدميرية في سورية.

رفض الحكومة الفرنسية تدمير المنشأة طيلة هذه المدّة بالرغم من علمها وعلم حليفتها الولايات المتحدة بتورّطها في مساعدة الإرهابيين ثم قيام الولايات المتحدة بتدمير المنشأة فقط بعد انسحاب قواتها منها لتحرم القوات السورية المتقدّمة من أية إمكانية للاستفادة من موجوداتها بالرغم من أن مهمتها الأساسية هي منع التنظيمات الإرهابية من أمثال داعش أو القاعدة من معاودة الظهور أو النشاط مجدداً.

هذه المنشأة رمز لمكر الغرب وخبثه ودليل على دعم دولهم للإرهاب في حربهم الفاشلة ضد دمشق.

  • المقال نشر في موقع (غلوبال ريسيرش) في 17 تشرين الأول/ 2019.

  • وتمّت ترجمته إلى الانجليزية لموقع ( Syrianfacts )

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz