مؤسس الخوذ البيضاء الذي وجد ميتاً قرب مسكنه في إسطنبول

في ساعة مُبكرة من فجر الحادي عشر من شهر تشرين الثاني, عُثر على (جيمس لو ميزورييه), الضابط السابق في الاستخبارات البريطانية والمتخصص في القضايا الأمنية, ميتاً قرب مسكنه في مدينة اسطنبول التركية.

وسائل الاعلام التركية قالت أن السلطات قد شرعت بالتحقيق في الأمر, مرجّحة أن يكون الرجل قد انتحر أو سقط من “شرفة” منزله ولقي حتفه ، ونقلت عن الجهات الطبية قولها أن تقرير الطبيب الشرعي (الجنائي) يشير إلى وجود كسور ورضوض في ساقيه وجمجمته.

نال الخبر اهتماماً إعلامياً واسعاً, لا لكونه خبراً غير عادي وحسب بل لأن ضابط الاستخبارات البريطاني السابق هذا هو مؤسس منظمة “الخوذ البيضاء” التي لعبت دوراً خطيراً في الحرب على سورية وخاصة من الناحية الإعلامية.

في مقابلة إعلامية أجريت معه عام 2014, قال “ميزورييه” أنه تلقى على الفور تمويلاً مبدئياً يصل إلى (300) ألف دولار من كل من بريطانيا والولايات المتحدة (ما لم يذكره حينها هو أن المعونات المالية سرعان ما بدأت تتدفق على المنظمة من منظمات غير حكومية أوروبية ومن دول الخليج والولايات المتحدة وبريطانيا وهولاندا والدانمارك واليابان وغيرها. تقدّر الأموال التي مُنحت للمنظمة بما يزيد على  150 مليون دولار).

وحول تأسيس المنظمة يقول أنه ناقش الموضوع مع طواقم إنقاذ أتراك يعملون في مجال الإغاثة من الزلازل وقال لهم: “إن كنتم تستطيعون إنقاذ الناس في حالات الزلازل فيمكنكم إنقاذهم في الحروب.. وهذا ما كان, إذ بدأ العمل على جمع المتطوعين وتدريبهم”. وبالرغم من أن هذا التصريح مُغلّف بعبارات إنسانية وإنقاذية إلا أنه ينطوي على اعتراف واضح وصريح بأن تدريب هؤلاء قد تم على أيدي طواقم تركيّة وفي تركيا.

عمل “ميزورييه” قبل ذلك كضابط استخبارات وضابط من القوات الخاصة البريطانية المعروفة بالاختصار “ساس” (SAS) في العديد من مسارح النزاعات والاقتتال حول العالم ومن بينها “بريشتينا” في (كوسوفو) إبّان عمليات الناتو ضد يوغوسلافيا السابقة عام (1999).

وفي الأعوام القليلة التي تلت ذلك, عمل كنائب رئيس لمنظمة “أوليف غروب” (ترجمتها إلى العربية تعني حرفياً “مجموعة الزيتون”!!  مع أنها عبارة عن واحدة من التنظيمات العديدة التي تُعرف باسم “الجيوش الخاصة” التي تقوم على تجنيد المرتزقة أو ما بات يُعرف باسم “كتائب الموت” ونشرهم في مسارح العمليات ومع ذلك يعطونها اسم “الزيتون” الذي يرمز للسلام).

على أية حال, سرعان ما اندمجت هذه المنظمة بشركة “بلاك ووتر” سيئة الصيت والتي غيّرت اسمها مرّات عدّة هرباً من سوء سمعتها, من بين هذه التسميات “اكادمي” ثم “كونستيلي” القابضة.

في العام (2016), منحت ملكة بريطانيا ضابط الاستخبارات البريطانية السابق هذا وسام الامبراطورية “تكريماً” له على “جهوده” في سورية!!!.

وكان قد أسس “ماي دي فانوديشين” (May Day Foundation) في الدانمارك التي أسست بدورها منظمة الخوذ البيضاء في تركيا ما بين عامي (2013 و2014).

حُظيت جماعة “الخوذ البيضاء” المُسجّلة في المملكة المتحدة (بريطانيا) كمنظمة غير حكومية, بدعم مالي ودعائي كبيرين من قِبل كلّ من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وهولاندا والدانمارك وقطر وأغدقت عليها ملايين الدولارات إضافة إلى حملات الدعاية والترويج.

في العام (2016), حصل فيلم من انتاج (نتفليكس) بعنوان الخوذ البيضاء على جائزة (Academy Award) كأفضل فيلم وثائقي قصير وتم ترشيح فيلم آخر حول هذه المنظمة تحت عنوان “الرجل الأخير في حلب” لجائزة الأوسكار عام (2018), كما تم ترشيح المنظمة لنيل جائزة نوبل مرّات عدّة لكنها لم تنلها.

اشتهرت منظمة الخوذ البيضاء بكونها المصدر شبه الوحيد لمسرحيات “الهجمات الكيماوية” المزعومة أو المُفبركة والتي كثيراً ما كانت دول التآمر تتخذها ذريعة لشنّ العدوان على سورية أو لتشديد العقوبات ضدّها أو للاستمرار في الحرب.

فهل كان ما يفعله لأغراض “إنسانية” كما يزعمون؟ وما علاقة شخص كهذا بالعمل “الانساني” الإغاثي في سورية ؟ .

في مؤتمر صحفي عقدته في الثامن من شهر تشرين الثاني, طلبت المتحدثة باسم الخارجية الروسيّة “ماريا زاخاروفا” من بريطانيا تقديم توضيحات حول ما ذكرته بعض التقارير عن علاقة هذا الرجل بمنظمات إرهابية من بينها القاعدة.

وجاء في تصريحها ما يلي: “هناك عدد من الباحثين (وأكرر هذه ليست تحليلات روسيّة بل من مصادر أجنبية) تشير إلى وجود عناصر من القاعدة ضِمن فريق عمل “جيمس ميزورييه” أثناء عمله في كوسوفو وذلك وفقاً لبعض المصادر. ونود أن نسمع من لندن شرحاً يفسّر هذه الحقائق”.

هذا الرجل هو مؤسس منظمة “ماي دي” الإنقاذية الدانماركية التي تحظى برعاية كلّ من المملكة المتحدة وألمانيا والدانمارك وكندا وقطر وهولاندا إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

رسمياً, يقولون عن أنفسهم أنهم مُنخرطون في أعمال حماية المدنيين أثناء النزاعات والكوارث الطبيعية, لكنهم في الواقع شاركوا في تأسيس وتمويل “الخوذ البيضاء” ويحظون الآن بالكثير من الدعم من قبل وسائل الاعلام الغربية.

وإضافة إلى انخراطها في سورية, كان وما يزال لمنظمة ماي داي “الإنقاذية” مشاريع لافتة في كل من الصومال ولبنان (وحول لبنان, فقد قيل لي ما يجري هناك) وهو أنه وتحت ستار إنشاء “شبكة من عمال الإنقاذ التطوعيين”, فإنهم يدعمون القوات والمنظمات المناهضة للحكومة.

تنشط منظمة الخوذ البيضاء أيضاً في بعض دول أمريكا اللاتينية وتشنّ حملات دعائية واسعة ضدّ السلطات الشرعية في هذه البلدان”.

هنا ينتهي الاقتباس من تصريح الناطقة باسم الخارجية الروسيّة ، لكن قصّة الخوذ البيضاء لا تنتهي عن هذا الحد.

فإضافة إلى الكثير من الروايات حول ارتباطها بالمنظمات الإرهابية وممارساتها الفظّة ومن بينها صور لعناصرها وهم يقفون على جثامين شهداء الجيش العربي السوري, فإن هذه المنظمة المشبوهة تُسوّق نفسها إعلامياً على أنها “الدفاع المدني السوري” وهذا بحدّ ذاته بمثابة انتحال صفة فهي غير مُرخّصة أو مُسجّلة  في سورية وتدريب عناصرها تمّ على أيدي ضابط استخبارات بريطاني وبمساعدة طواقم تركيّة على الأراضي التركية.

فكيف لها الادّعاء بأنها سوريّة ؟ بينما هي في الحقيقة تعمل ضدّ سورية وليس من أجلها. كما أن للاسم الذي تتخذه إشكالية اخرى.

فهي تسمّي نفسها “الدفاع المدني السوري” وهذا ليس انتحال صفة فقط بل محاولة لأن تحلّ محلّ الدفاع المدني السوري الحقيقي الموجود والمُعترف به عالمياً مع أن فرق الدفاع المدني السوري الحقيقة ظلّت مُواظبة على أداء مهامها منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا.

بكلمة أخرى, يندرج تأسيس هذه المنظمة ضِمن مسار طويل من محاولات خلق هياكل بديلة أو موازية لهياكل ومؤسسات الدولة السوريّة بهدف الحلول مكانها وإلغاء كيان الدولة تدريجياً. ولهذا لم يكن غريباً أن يأتي تأسيسها في الأعوام (2013 و2014) عندما كانت الحرب ضد الدولة السوريّة في أوجها.

من الجدير التذكير بأن إسرائيل قد قامت في العام (2018) بإجلاء المئات من عناصر الخوذ البيضاء من المناطق الجنوبية عندما كان الجيش العربي السوري يتقدّم في هذه المناطق لتحريرها من الإرهاب.

وبالعودة إلى وفاة “جيمس ميزورييه” الغامضة, فمن غير المعروف على وجه اليقين كيف تمّت. هل انتحر الرجل كما يُخمّن البعض؟ أم هل تمّت تصفيته؟ هل كان ما جرى بالفعل مجرّد “حادث” كما يتم وصفه حالياً من قبل الإعلام؟

أسئلة لا جواب قاطعاً لها حالياً. لكن المشهد, في جميع الأحوال, يُذكّر بموت عميل الموساد الشهير “روبرت ماكسويل” الذي وجدت جثته طافية على سطح البحر على بعد أميال من يخته قرب جزر الكناري في المحيط الأطلسي عام 1991 .

وصِف موته يومها على أنه انتحار ولم يتم كشف الغموض الذي لفّ تلك الحادثة حتى الآن بالرغم من مرور كلّ هذه السنين الطويلة على الحادثة.

على أية حال, من اللافت أن السلطات التركيّة قد منعت زوجة “جيمس لو ميزورييه” السويدية (إيما وينبرغ) من مغادرة البلاد لحين انتهاء التحقيقات.

زوجته هذه, وفق بعض التقارير الإعلامية, عضو مؤسس في وكالة للعلاقات العامة تابعة للخارجية البريطانية تحت اسم “إنكوسترات” وقد عملت هذه الوكالة, حسب بعض المصادر, كذراع إعلامية لما كان يُعرف باسم “جيش الاسلام” المعروف عنه بأنه كان من أكثر التنظيمات الارهابية شدّة وبطشاً أثناء احتلاله للغوطة الشرقية في الأعوام الأولى من الحرب على سورية وإلى أن تمّ تحريرها من قِبل الجيش العربي السوري في شهر نيسان من العام (2018).

في سيرتها الذاتية, تُقدّم (إيما وينبرغ) نفسها على أنها مديرة الاستراتيجيات لمؤسسة “ماي دي فاونديشين”, وتعترف  بصلتها بالخارجية البريطانية، إذ تقول أن عملها كان يتركّز في مجالات ” الأمن وإعادة الاستقرار وبناء السلام في الدول التي ندخلها ونثابر على ذلك إلى ان نخرج من الصراع “.

وأنها كانت تعمل في مناطق عِدّة من الشرق الأوسط كعضو في الخارجية البريطانية ثم في مجال الاتصالات الاستراتيجية وتدريب الناس على الصمود!!.

وأن مناطق اهتمامها شملت كلاً من كابول في أفغانستان ودمشق والقدس الشرقية واسطنبول وأربيل إضافة إلى اليمن وشرق افريقيا لكن بدرجة أقلّ.

في إفادتها للشرطة, قالت أن زوجها كان في الفترة الأخيرة يتعاطى بعض الأدوية المُضادة للإكتئاب لأنه كان يُعاني من ضغط وتوتر شديدين وأنهما ليلة الحادثة تناولا حبوباً منوّمة وأويا إلى الفراش حوالي الساعة الرابعة فجراً وأنها استيقظت فقط عندما سمعت طرقاً على الباب وكانت الشرطة بعد أن عثرت على جثة زوجها مُمدّدة في الشارع, وذلك وفق رواية بعض وسائل الاعلام وإن كان هناك بعض التباين في هذه الرواية بين وسيلة إعلامية وأخرى.

على أية حال, وأياً كانت نتيجة التحقيق, توحي المؤشرات الأولية إلى أن منظمة الخوذ البيضاء بمُجملها قد انتهت مهمتها في سورية وهناك توقعات بأن يتم إجلاء من تبقى من عناصرها في إدلب إلى جهات غير معلومة بعد.

ربما يتم إعادة تشكيلها تحت مسمّى آخر ولمهمّة أخرى في مكان ما من هذا العالم.. من يدري؟؟.

  • المصدر: مواقع إعلامية كثيرة من بينها (سبوتنيك) والـ (ديلي ميل) البريطانية والـ (بي بي سي) إضافة إلى السيرة الذاتية لإيما وينبرغ على النت.

  • خاص لموقـع (syrianfacts)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*