نظرية تأثير الفراشة

إنها نظرية لا تُشبه أية نظرية أُخرى، إنها الصيغة المُدهشة لكوننا والضربة الأقوى للقائلين بالحتمية، إنها تأثير الفراشة أو نظرية الفوضى أو الكايوس (Chaos) ، ونظرية تأثير الفراشة تعني أن رفة جناح فراشة فوق أحد سهول سيبيريا قد تؤدي إلى أعاصير مدمّرة بأمريكا؛ فتغيّرات أولية طفيفة تقلب النتائج رأساً على عقب.

قد يبدو الأمر مبالغاً فيه، ولكنَّه منطقي وعلمي فأحداث صغيرة من شأنها أنْ تنتج كوارث كبيرة غير متوقعة.

تبدأ نظرية تأثير الفراشة من الحدود التي يتوقف عندها العلم التقليدي ويعجز، فمنذ شرع العلم في حلّ ألغاز الكون، عانى دوماً من اللا مُتوقع والمفاجآت التي تقلب الطاولة، وفي سبعينيات القرن الماضي تألفت كوكبة من علماء الفيزياء والرياضيات والأحياء والكيمياء، ووضعت نصب أعينها تحليل مُعطيات نظرية تأثير الفراشة وكانت النتيجة أن اللا متوقع هو مبدأ كوني، وأصبحت نظرية الكايوس هي الثورة العلمية الثالثة الكبرى في القرن العشرين، بعد ثورتي النظرية النسبية والنظرية الكمومية (Quantum Mechanics).

ومنذ بدايات القرن العشرين لاحظ فيزيائيو الكوانتم (Quantum Mechanics) أن فهم قوانين الطبيعة عبر فيزياء الجسيمات، لا يحمل الإجابة الكاملة لتصرّفات تلك الجسيمات، وتجلّت ضرورة ظهور علم جديد لسدّ الثغرة بين الحسابات والنتائج، فكان الكايوس (Chaos)، الذي راج أولاً في أوساط خبراء الطقس عبر جملة “أثر جناح الفراشة”.

وكان عالم المناخ إدوارد لورينز (Edward Lorenz) من أوائل الذين اشتغلوا على هذه النظرية بدءاً من عام (1962) عبر استنتاجاته لأحوال الطقس التي تحمل اللا متوقع باستمرار بما تعجز عن ضبطه لغة الإحصاءات والحسابات.

وكان لورينز يظنّ في البداية أن كل شيء حوله يدور بحتمية نيوتينية (The inevitability of Newton) الحتمية النيوتينية هي ذلك التصوّر الكوني الذي يقتضي أنه يكفي فهم القوانين لكي تستوعب العالم، فالعالم طبقاً لهذا المفهوم هو عالم يسير على طريق مُحتّم ومرسوم بدقة، وهو ما يُسمّى أيضاً بحتمية لابلاس (The inevitability of Laplace)  وبدا أن هذا التصوّر الحتمي للوجود مجرّد وهم لا أكثر، وباتت فكرة الحتمية في وضع المنهار، فطبقاً للنظرية الجديدة فإن ثورة بركان في نجم بأحد المجرّات، يمكن أن يؤثر على حسابات حركة كرة البلياردو في أحد صالات اللعب، هكذا أصبحت الدقة التقريبية التي يقوم عليها العلم الحديث في جميع حساباته يمكن أن تنهار في أي لحظة.

إن سقوط ورقة شجر يُفترض ألا يؤدي إلى عواصف وأعاصير في دولة أُخرى، لكن التجربة مع نظام المعادلات في كمبيوتر الطقس الذي اخترعه (إدوارد لورينز) أثبتت أن سقوط ورقة الشجر يمكن أن تؤدي إلى نتائج كارثية، لأن شيئاً ما خرج عن التفكير النمطي وفلسفته وهذا يعني ميلاد نظرية جديدة، وبالفعل كانت هذه النظرية هي الفوضى.

إن أقلّ متغيّر أولي كان يضيفه (لورينز) على برنامج الطقس في حاسوبه، يؤدي إلى فيضانات في الصحراء وأعاصير في قلب عواصم العالم، وهكذا أدرك (لورنز) أن العلم أمام ثورة جديدة.

وفي الواقع فإن حسابات (Henri Poincaré) آخر عمالقة علم الرياضيات ممّن يستطيعون صوغ خيال هندسي عن قوانين الحركة في الفيزياء تنبّأت بظهور نظرية الفوضى حيث تضمّنت كتاباته إشارات كثيرة إلى استحالة التنبؤ على المدى الطويل بالنسبة لنظم تغيّرات المعطيات الأولية، إذ لم يعد مُمكناً حساب كل شيء بالورقة والقلم فمع أقلّ متغيّر يمكن أن ينهار كل شيء.

تعبر نظرية الفوضى الاختصاصات العلمية وصولاً إلى تحليل الظواهر الاجتماعية نفسها، فلا تقتصر على التأثير المادي المجرّد على الظواهر الطبيعية أو الكونية بل تمتد للحياة العادية للإنسان، فالاعتماد الحساس على الأوضاع الأولية يقلب كلّ شيء بعد ذلك، ويمكن تقريب المسألة على واقعنا الاجتماعي كالتالي: مقتل ولي عهد النمسا في سراييفو، بعدها بشهور قيام الحرب العالمية الأولى ومقتل 2 % من سكان العالم.

وكذلك مشكلة في فرامل أحدث موديلات المرسيدس، بعدها بشهور انهيار للاقتصاد العالمي وتشريد عشرات الملايين.

فلم يعد تأثير الفراشة قاصراً على الحقل العلمي بل تجاوز ذلك إلى تحليل الكثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية وأضحت النظرية أحد أكبر قضايا العلم الحديث وكُتبت فيها آلاف الكتب، وتُعيد الآن صياغة رؤيتنا للوجود بأسره.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz