ملف الأسلحة الكيماوية السوري بدأ يتفكك ويكشف الأسرار .. صِراع الاعماق

نشرت صحيفة الديلي ميل البريطانية تقريرا خطيراً حيث يعترف التقرير وفق وثائق مسربة بأن رواية الاسلحة الكيماوية السورية مُفبركة مثلها مثل أسلحة الدمار الشامل العراقية.. لتبرير ضربة أمريكية بريطانية فرنسية ضد الحكومة السورية..

ويدخل التقرير في تفاصيل كثيرة ويعترف أن كل التقارير التي اتهمت الرئيس الأسد باستعمال السلاح الكيماوي في دوما لم يمكن التحقق منها لأن المنطقة التي زُعم أنها قُصفت كانت تخضع لحكم التنظيمات الاسلامية المتوحّشة (كما وصفتها الصحيفة البريطانية) في إشارة إلى أنها معقل للإرهاب القاعدي..

ولكن المُثير للضحك هو أن خبراء منظمة نزع الاسلحة الكيماوية الذين زاروا دوما وحصلوا على عيّنات من المنطقة المنكوبة تمّ التلاعب بتقريرهم وإخضاعه للرقابة وحذف المعلومات الرئيسية التي تبيّن فيما بعد أن كمية الكلور الموجودة في العينات زهيدة جداً وتشبه نسبة المواد الكيماوية أو الكلور الموجودة في أي حمام أو مطبخ .. أي أن أي مطبخ فرنسي أو إنكليزي أو أمريكي فيه مواد كيماوية أكثر من موقع قصف دوما، إلا إذا كانت مطابخ وحمّامات الانكليز تُقصف بالسلاح الكيماوي مِن قِبل النظام السوري وهم لا يدرون..

كما أن مشاهد الفيديو التي صوّرت اطفالاً يُرشّون بالماء لا تتطابق فيها الأعراض المزعومة مع ما تُسبّبه أنواع المواد التي اكتشفت كمياتها الزهيدة في العيّنات المفحوصة ..

المهم أن تسريب التقرير بهذا التوقيت إلى صحيفة بريطانية لا يعني شدّة نقاء الاعلام البريطاني الذي خجل من تصرّفات حكومته وقرر فضحها وليس لأن حرية الصحافة في بريطانية ليس لها حدود..

فكل ما يمسّ الأمن الوطني لأي دولة غربية خط أحمر ولا يُسمح بتمريره وإلا لقي أصحابه العِقاب الصارم ..

فها هو (جوليان أسانج) الأسترالي الذي كشف بعض أسرار السياسة الأمريكية .. انتزِع انتزاعاً من السفارة الإكوادورية التي لجأ إليها رغم أنه سويدي غربي ولكنه تجاوز الخطوط الحمراء ..

أما لماذا سرّبت الديلي ميل البريطانية التقرير في هذا التوقيت الحسّاس قبل انعقاد جلسة منظمة حظر الاسلحة الكيماوية بأيام فغالباً أنه بسبب الصراع في الأعماق..

الدولة العميقة في أمريكا مُعسكران مُتصارعان .. واحد يقوده تيار يريد من ترامب أن يُنهي التدخل الأمريكي في الشرق الاوسط والتركيز على الشرق الأقصى والآخر يقوده تيار مُصمّم على ربط ترامب بالشرق الاوسط وإبقائه في حلبة الصراع مع إيران وسورية وروسيا..

ولذلك من الممكن جداً أن تسريب هذه التقارير هو من باب الصراع بين الطرفين وهو ردّ الترامبيين على الهيلاريين (هيلاري كلينتون) فهذا التقرير الفضيحة سيعزّز موقف ترامب من أن كلّ القصص المنشورة عن سورية لم تعد موثوقة ولا يمكن بناء سياسة عليها وتوريط الولايات المتحدة في حروب لا طائل منها وهي تنفق وقتها في التسديد على أهداف وهمية وطواحين هواء.. وعليها أن تتحرك نحو أهداف أكثر جدّية ..

لذلك إلى كل الذين ينتظرون عودة الأمريكي ونجدة الأمريكي .. عليهم أن يفهموا هذا الصراع الكامِن في الأعماق والذي يعني أن مزاج الدولة العميقة في الغرب لم يعد موحّداً ومنسجماً مع ذات الرسالة التي أخلص لها طوال العقود الماضية بشأن الشرق الأوسط وهو يتجه شرقاً ..

وأنا أتمنى منهم أن تتيبّس رؤوسهم أكثر وأتمنى أن يصمّموا على الرهان على أن أمريكا هي أمريكا وستبقى شِئنا ام أبينا ..

لأن أمريكا ستترك الرؤوس الناشفة تحلم بالمطر والماء القادم من أمريكا .. والرؤوس الناشفة هي أكبر هدية يقدمها لنا أعداؤنا .. لنعلّقها كمُحنّطات في جدران الزمن ..

  • بقلم (نارام سرجون)  

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*