فصول فضيحة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية ما تزال تتوالى

ليس أمراً عادياً ولا مقبولاً أن تقوم منظمة دولية تابعة للأمم المتحدة يُفترض فيها النزاهة والحيادية بتزوير نتائج مفتشيها أنفسهم لتبرير عدوان خارجي على دولة عضو.

لكن ما تم الكشف عنه مؤخراً يؤكد أن هذا بالضبط ما قامت به منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في موضوع سورية.

فلماذا تضحّي هذه المنظمة بسمعتها للقيام بذلك؟ ولصالح من؟ وكيف ؟ تفاصيل وحقائق كثيرة تم الكشف عنها تستحق القراءة والاطلاع :

في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني, فجّر الصحفي المُخضرم (جوناثان ستيل) قنبلة إعلامية عندما نشر مقالاً في موقع كاونتر بانش (Counter Punch) يفضح فيه تلاعب إدارة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بنتائج مفتشيها أنفسهم لتبرير العدوان على سورية.

فخبراء المنظمة لم يعثروا على أي دليل إدانة ضدّ سورية في ذلك الهجوم المزعوم ومع ذلك صاغت المنظمة تقريراً مخالفاً لِما توصّل إليه الخبراء.

استند ستيل في مقاله على تسريبات مرّرها عدد من أعضاء فريق لجنة التحقيق الذي زار مدينة دوما السوريّة في شهر نيسان من العام (2018) بُعيد تحريرها من عصابات ما كان يسمّى بـ”جيش الاسلام” حينها, مبيّناً أن أحد هؤلاء الخبراء خرج إلى العلن باتهامه للمنظمة بتحريف تقرير لجنة تقصّي الحقائق في جلسة إيجاز صحفي عُقدت في بروكسل واستمرّت طيلة النهار حضرها أشخاص من دول متعددة يعملون في مجال نزع الأسلحة والقانون الدولي والعمليات العسكرية والطبابة والاستخبارات ومن بينهم (ريتشارد فولك) مقرر الأمم المتحدة الخاص سابقا حول فلسطين.

عُقد الإيجاز الصحفي برعاية  وتنظيم “كوراج فاونديشين” (courage foundation) أي ” شجاعة ” وهي منظمة تُعنى بالأشخاص الذين يُبلّغون عن مُخالفات مهنية أو أخلاقية أو حالات فساد داخل مؤسساتهم التي يعملون فيها.

وتُطلق عليهم تسمية (whistleblowers) باعتبار أن إبلاغاتهم بمثابة صافرات إنذار تُنبّه إلى خلل ما يتوجّب تصويبه ومن هنا جاءت تسمية الواحد منهم باسم “مُطلق الصافرة”.

ويقول ستيل أنه حضر ذلك الاجتماع باعتباره صحفياً مستقلاً, مشيراً إلى أن “مُطلق الصافرة” هذا (أي الخبير الذي تحدث عن المُخالفة) قد أعطى الحاضرين اسمه الحقيقي لكنه يُفضّل أن يُشار إليه في الاعلام باسم مُستعار وهو “أليكس” وذلك لاعتبارات أمنية ولضمان سلامته الشخصية, مبيّناً أن هذا هو ثاني خبير من لجنة تقصّي الحقائق يقول أن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية قد قامت بطمس الأدلة العلمية.

الأول كان (إيان هندرسون) المسؤول عن فريق الهندسة في لجنة تقصّي الحقائق وهو من جنوب أفريقيا وقد تمّ تسريب تقريره الأصلي الذي لم تنشره المنظمة في شهر أيار الماضي.

في البداية لم يتناول القصة أيّ موقع من مواقع الاعلام الغربي وعندما تحدّث تكر كارلسون (Tucker Carlson) في برنامجه على (فوكس نيوز) عن هذا الموضوع عبوراً ودون الكشف عن الكثير من التفاصيل الهامة, ثارت ضدّه حملة شرسة.

لكن بعد فترة وجيزة كتب الصحفي بيتر هيتشنز (Peter Hitchens)  في “ميل أون صاندي” مرتين حول الموضوع .

نَشر المقال الأول في الثالث عشر من شهر تشرين الثاني ثم أتبعه بمقال آخر في شهر كانون الأول الحالي كاشفاً أن إدارة المنظمة استدعت خبراء لجنة التحقيق إلى اجتماع مُغلق حيث تواجد هناك ثلاثة مسؤولين أمريكيين لم يتم الكشف عن هوياتهم أو مناصبهم أبلغوا الحاضرين في الاجتماع (أن الهجوم قد تمّ وأن “النظام السوري” هو المسؤول عن ذلك) !!.

أي كما لو كانوا يعطونهم الأوامر بما يتوجّب عليهم أن يذكروه في تقريرهم !!.

أثار هذا الأمر امتعاض الخبراء لأن تصرفاً كهذا مُخالف للقانون ولأعراف المنظمة ويسيء إلى سمعتها..

وجرت نقاشات ومداولات وجدل طويل داخل أروقة المنظمة توصّل الخبراء من خلالها إلى حلّ وسط مع الإدارة بحيث تتم صياغة التقرير بلغة مُخففة بعض الشيء وأن يتم حذف بعض المُعطيات التي تبرّئ ساحة سورية شرط الابقاء على حقيقة أن نسبة الكلور التي وجدها المحققون هي نسبة ضئيلة للغاية ويُمكن أن يُصادفها المرء في أيّ منزل لاستخدامات النظافة.

لكن إدارة المنظمة, وفق مقال (بيتر هيتشنز) الذي نشرته (ميل اون صاندي), لم تلتزم بهذا أيضاً ونشرت تقريراً يُخالف مُخالفة صريحة كلّ المُعطيات المقدّمة ويطمس الكثير من الحقائق التي توصّلت إليها لجنة التحقيق.

فأرسل الخبير إيان هندرسون رسالة احتجاج (إيميل) للإدارة يخبرهم بها أن حوالي (20) من خبراء لجنة التحقيق غير راضين عن صياغة التقرير النهائي لأنه طمس خلاصة أبحاثهم وأن هذه المُعطيات كان ينبغي أن يتمّ تضمينها في التقرير وينبغي أن تجد النور ليطّلع الرأي العام عليها.

ثم أرسل نسخة من بحثه هذا إلى أرشيف خاص يسمّى ” أرشيف سجلّ الوثائق ” (Documents Registry Archive (DRA ، لكن إدارة المنظمة لم تكترث لاحتجاجه, بل إن أحد مسؤولي الادارة طلب من موظفيه إزالة جميع البيانات التي أرسلت للحفظ في الأرشيف ومحو أي أثر لها !!!.

فتقرير اللجنة الأصلي الذي طُمس ولم يُنشر والذي يقول (هيتشنز) أنه حصل على نسخة منه, يشير بوضوح إلى تشكيك الخبراء بحدوث مثل هذا الهجوم المزعوم أساساً وذلك لأسباب عديدة من بينها عدم تطابق حالات “الضحايا” مع أي هجوم بالكلور كما أن اسطوانة الغاز التي يُزعم أنها سقطت على المكان نتيجة قصف بالطائرات لم تحدث الضرر الذي ينجم عادة عن مثل هذا الفعل.

فواحدة منها كانت مُلقاةً على السرير كما لو كان أحدهم قد وضعها بيده وهذا ما أكده خبير المنظمة الوحيد الذي تحدث علناً حول هذا الموضوع وهو (إيان هندرسون) كما أن هذا ما تؤكده الصور المأخوذة من موقع الحادث المزعوم إضافة إلى ضآلة نسب الكلور في المواقع التي تمّت مُعاينتها.

هذه المُعطيات تدلّ على أن الهجوم المزعوم كان مُفبركاً أو أن الجماعات المُسلّحة التي كانت تسيطر على دوما في ذلك الوقت هي المسؤولة عنه, فيما لو كان قد وقع.

توالت بعد ذلك التقارير والتسريبات والأحداث .. فقد قام مؤخراً الصحفي (طارق حداد) بتقديم استقالته من مجلة نيوزويك الأمريكية لأنها رفضت نشر مقال له يتضمّن المزيد من الحقائق حول هذا الموضوع.

فما كان منه إلا أن كتب مدوّنة مطوّلة للغاية يسرد فيها قصته والأسباب التي دفعته للاستقالة وكيف قام بعض المُحررين بشنّ هجوم عليه وعلى “مهنيته” لأنه نشر بعض الحقائق التي لا تُعجب الحكومة الأمريكية ولا تتوافق مع سياستها الخارجية, مُستذكراً ما كتبه في العام (2016) حول اعتقال السلطات المصرية لخمسة أشخاص كانوا يصوّرون فيلماً دعائياً حول هجوم مزعوم ليتم تقديمه  للجمهور على أن أحداثه جرت أو تجري في سورية!!.

وذكر حداد في هذا الصدد إلى ما كشفه مكتب الصحافة الاستقصائية وصحيفة الصاندي تايمز بخصوص شركة العلاقات العامة البريطانية بيل بوتينغر (Bell Pottinger)  التي كانت تعمل  مع السي آي إيه والبنتاغون ومجلس الأمن القومي إبّان حرب العراق لإنتاج مواد دعائية كاذبة تؤيد الحرب وتلقت حينها مبلغ (540) دولار لقاء هذه البروباغاندا الكاذبة.

طارق حداد, يُشير هنا إلى أنه لا يزعم أن هناك صِلة بين الأمرين, بقدر ما يريد توثيق أحداث جرت تستحق التوقف عندها وأخذها بعين الاعتبار.

ويذًكَر طارق حداد بما كشفه في مقال سابق حول “طبيب” يُدعى “شوجال إسلام” مبيناً أن هذا الرجل كان قد سُجن في بريطانيا عام (2013) بعد إدانته بالضلوع في عملية خطف اثنين من الصحفيين الغربيين في شمال سورية و أنه أدين لصلته بالإرهاب وصنّفه جهاز الاستخبارات البريطاني على أنه من الارهابيين أو على وجه الدقة “جهادي مُلتزم”.

كما أنه طرد من المجلس الطبي البريطاني في العام (2016).

فكيف خرج من السجن وسُمح له بالذهاب إلى سورية وبات يخرج على وسائل الاعلام وقنوات التلفزة العالمية بصِفته “الطبيب” الذي كان يُعالج المُصابين في هجوم خان شيخون الكيماوي المزعوم ؟؟.

بولتون يُهدد مدير المنظمة السابق: نعرف أين يعيش أولادك : في مقابلة نادرة أجراها موقع انترسيبت (Intercept) في العام (2018) مع مدير المنظمة الأسبق خوسيه بستاني, كشف هذا الأخير عن تهديدات كان يتلقاها إبّان حرب العراق من (جون بولتون) الذي كان حينها نائب وزير الخارجية في عهد بوش الابن (وتمّ تعيينه ما بين العامين 2005 و2006 كسفير للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة) وأنه اتصل به عدّة مرّات مطالباً إيّاه بالاستقالة من منصبه وعندما لم يستجب للضغوط ما كان من بولتون إلا أن سافر شخصيا إلى لاهاي حيث مقرّ المنظمة واقتحم مكتب البستاني قائلاً له أن تشيني (الاشارة هنا إلى ديك تشيني الذي يشغل منصب نائب رئيس الولايات المتحدة) غير راضٍ عن عملك.. ويريدك أن تغادر .. عليك أن تستقيل فوراً .. معك مهلة (24) ساعة لتغادر المنظمة (أي تترك منصبك) !!!.

ثم أردف بلهجة تهديد ووعيد : ( إن لم تستجب لدينا أساليب أخرى للرد .. نعلم أين يعيش أولادك .. لديك إبنان يعيشان في نيويورك!! ).

يقول البستاني أنه صُعق من وقع المفاجأة.. وأجابه بهدوء : أهل بيتي يعرفون ظروف عملي ..

لكن في الواقع, لم يطل الوقت بالبستاني حتى استقال تحت وطأة الضغوط التي مورست عليه, كما تؤكد مصادر عدّة.

جدير بالذكر أن شركات ديك تشيني وخاصة تلك المعروفة باسم (هاليبرتون) حققت أرباحاً خيالية من خلال غزو العراق.

كما أن بولتون هذا كان مستشار الأمن القومي الأمريكي عندما تم اتهام سورية بهجوم دوما وعند وقوع العدوان الثلاثي (الأمريكي-البريطاني-الفرنسي) عليها بعد ذلك بأسبوع واحد فقط أي في الرابع عشر من نيسان عام (2018) بذريعة ذلك الهجوم المزعوم قبل التحقق منه وقبل أن تقوم اللجنة المعنية بمعاينة الموقع أساساً.

زوج تيريزا ماي يستفيد مالياً من الضربات الصاروخية على سورية : من المُفيد التذكير أيضاً بأن زوج تيريزا ماي التي كانت حينها رئيسة وزراء بريطانيا قد حقق أرباحاً مالية لا يُستهان بها من جرّاء الضربات الصاروخية العدوانية على سورية فقد ذكرت التقارير حينها أن شركة “كابيتال غروب” التي يعمل فيها كمسؤول تنفيذي رفيع قد جنت الكثير من الأرباح بعد هذه الضربات فهي شركة استثمار تبيع وتشتري أسهم شركات كثيرة حول العالم ومن بينها أسهم شركة (لوكهيد مارتين) عملاق الصناعة الحربية ..

ومن المعروف أن أسهم لوكهيد مارتين قد قفزت بشكل جنوني بعد الضربات الصاروخية فجميع الصواريخ التي أطلقتها الولايات المتحدة كانت من صناعة هذه الشركة وتبلغ تكلفة كل واحد منها مليون دولار.

يذكر أن المنظمة لم ترسل لجان تحقيقها إلى أية منطقة كانت أو ما تزال خاضعة لسيطرة الارهابيين, بالرغم من تواتر التقارير عن حيازة التنظيمات المسلحة الخارجة عن القانون على مثل هذه الأسلحة وبالرغم من التقارير الكثيرة التي تؤكد استخدامه لها.

وحتى في دوما لم تبدأ اللجنة عملها إلا بعد تحريرها من قبل الجيش العربي السوري وخروج المسلحين منها و ذلك “لدواعٍ أمنية”, كما قيل حينها.

وهذا بحد ذاته يُغني عن الكثير من الكلام.. كما أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا دول غازية ومنخرطة انخراطاً فعلياً في الحرب على سورية.

بل إن الولايات المتحدة تنشر قواتها قرب حقول النفط شرقي الفرات علناً, أي أنها طرف في الصراع وليست جهة حيادية وبالتالي فأي اتهام توجهونه لسورية لا ينبغي أن يصدّقه أحد.

بعد كل هذا, لم يكن موقف المدير الحالي للمنظمة مستغرباً ..

فقد أصرّ على تمسّكه بالتقرير التي أصدرته المنظمة في شهر آذار من العام الحالي ولم يقبل اعتراضات المُفتشين ولم يحاول إعادة النظر بما تمّت ملاحظته من تباينات.

والمعركة مستمرة.

خاص لموقع  (syrianfacts)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*