حقائق يرويها صحفي استقال من مجلة “نيوزويك” بسبب أكذوبة الكيميائي في دوما – الجزء (1)

استقال الصحفي البريطاني (طارق حداد) من مجلة “نيوزويك” الأمريكية وكتب مقالة شرح فيها أسباب الاستقالة.

وقال : (حتى قبل أيام عدّة، كُنت صحفيّاً في مجلة نيوزويك. قررت الاستقالة لأنه كان لديّ خيار بسيط. فمن جهة، كان بإمكاني الاستمرار في العمل في الشركة وكسب راتب ثابت – فقط إذا التزمت بما لا يمكن الإبلاغ عنه وقمع الحقائق الحيوية. وبدلاً من ذلك، يُمكنني ترك الشركة وقول الحقيقة.

في النهاية، كان هذا القرار بسيطاً ، فكلّ ما أفهمه أن التكلفة التي سأتحمّلها ستكون غير مرغوب فيها. سوف أكون عاطلاً عن العمل، وعلى الأرجح لن أجد وظيفة أخرى (الصحافة) التي أهتم بها بشدّة.

إذا كنت محظوظاً بعض الشيء، فسوف ستتلطخ سمعتي بصفتي مُنظِراً لنظرية المؤامرة، أو ربما مُدافعاً عن (الرئيس السوري بشار الأسد) أو حتى عميل روسي – وهو آخر افتراء هزلي في هذه الأيام ).

ويتابع حداد: في أعقاب حرب العراق وخلال فترة دراستي لفشل وسائل الإعلام منذ ذلك الحين، كنتُ بالطبع مُدركاً للاحتمال الكبير بأن رواية الحكومة الأمريكية عن سوريا كانت خدعة.

ومع ذلك ، بمجرّد انضمامي إلى صحيفة “انترناشونال بيزنس تايمز”(IBTimes UK)، بعد التدرّب والعمل في صحيفة (Hull Daily Mail) فهمت تماماً أن الصحافة لم تكن مهنة تقديم مزاعم لا يمكن التحقق منها.

أنا، أو أي صحفي في هذا الشأن، لم أستطع القول صراحة أن طبيعة الصراع السوري كانت مبنيّة على كذبة، بغضّ النظر عن مدى شكوكنا فيه.

للقيام بذلك، سوف نحتاج إلى دليل لا يتزعزع يدلّ على ذلك.

فخلال هذه السنوات، وثّق الصحفيون الجيّدون الأدلّة.

حيث كتبت (رولا خلف)، التي ستتولى رئاسة تحرير صحيفة “فايننشال تايمز”، واحدة من هذه المقالات، وقد وثقت كيف قدّمت قطر الأسلحة وموّلت المعارضة لحكومة بشار الأسد الشرعية بقيمة تتراوح ما بين مليار إلى 3 مليارات دولار، مدّعية أنها كانت “ثورة شعبية” تحوّلت إلى عنف.

كما أظهرت لقطات التقطها المصوّر السوري (عيسى توما) – نُشرت في فيلم قصير بعنوان (9 أيام من نافذتي في حلب) – كيف كان “الجهاديون” المُموّلون من قطر من “لواء التوحيد” حاضرين في شوارع العاصمة السورية منذ بداية الحرب.

( الاشارة هنا إلى حلب التي تعتبر عاصمة الصناعة السورية لكنها ليست عاصمة البلاد. ربما سقطت كلمة صناعية من المقال سهوا أو نتيجة خطأ مطبعي ).

حيث يقول توما وهو يصوّر سرّاً من نافذته: “المقاتلون يدخلون شارعي مرة أخرى. إنهم رجال مُسلّحون بأسلحة ثقيلة، هذا هو “لواء التوحيد”. التلفزيون الوطني يدعوهم بالإرهابيين. الصحافة الدولية تسمّيهم “مقاتلين من أجل الحرية”.

لقد قام المُحاربان المُخضرمان في الصحافة (سيمور هيرش وروبرت فيسك) أيضاً بكشف الثغرات في رواية الحكومة الأمريكية، لكن مُعاملتهما من قِبل صحفيين آخرين كانت واحدة من أكثر الأحداث المخزية في تاريخ الصحافة.

وكذلك (سيمور هيرش) – الذي كشف مذبحة (ماي لاي) خلال حرب فيتنام، والتعذيب في سجن أبو غريب، بالإضافة إلى إخبار العالم عن القصة الحقيقية لكيفية وفاة أسامة بن لادن – تم تجنّبه من (الإعلام) بسبب الإبلاغ عن حقيقة بسيطة هي أن : (حكومة الرئيس بشار الأسد ليست هي الجهة الوحيدة التي كانت تمتلك أسلحة كيميائية في سوريا).

وبعد هجوم السارين في ضاحية الغوطة في دمشق في عام 2013، تم تلطيخ سُمعته بشكل أكبر بسبب كشفه أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد حجب معلومات استخبارات عسكرية مُهّمة مفادها أن : (العيّنات التي تمّ فحصها في “بورتون داون” البريطانية لا تتطابق مع البصمات الكيميائية للسارين الموجود في ترسانات الحكومة السورية).

كما أثار (روبرت فيسك) ، قبل أيام من تصاعد النزاع السوري، في مقال طلب فيه من الأمريكيين أن يفكّروا في ما يفعلونه حقاً في الشرق الأوسط مع اقتراب ذكرى مرور عشر سنوات على أحداث 11/سبتمبر 2001، أثار أسئلة مُهمّة، لكنه أيضاً تمّ تجاهله إلى حدّ كبير.

ويتابع طارق حداد: “أنا أيضاً حاولت قدر استطاعتي وبأفضل طريقة ممكنة توثيق الأدلة التي يمكنها أن تحدث خرقاً أو ثغرات في الرواية السائدة “.

ففي عام (2016)  كتبت كيف اعتقلت السلطات المصرية خمسة أشخاص بزعم قيامهم بتصوير فيلم دعائي نُظم على أنه من سوريا.

على الرغم من أنني لست على دراية بأيّ دليل يشير إلى أن الأمرين مترابطين ولم أقدّم أي ادعاءات من هذا القبيل، فقد ظهرت هذه الاعتقالات بعد أن كشف مكتب التحقيقات الصحفية وصحيفة “الصاندي تايمز” أن شركة العلاقات العامة البريطانية (بِل بوتينغر) كانت تعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) والبنتاغون ومجلس الأمن القومي وتلقّت (540) مليون دولار لإنشاء دعاية كاذبة في العراق قبل شهر.

في العام التالي، بعد الهجوم المزعوم على الأسلحة الكيمائية في (خان شيخون) قُمت بتوثيق القصّة المثيرة للاهتمام لـ”شاجول إسلام”، الطبيب البريطاني الذي زعم أنه عالج الضحايا المزعومين وظهر على شبكات تلفزيونية عدّة بما في ذلك شبكة “إن بي سي” لتسويق القضية لإثارة الانتقام.

لقد اندفعَ بالظهور كبطل، لكن لم يتم الإبلاغ عن أنه سبق أن وُجّهت إليه تُهم بارتكاب جرائم إرهابية في المملكة المتحدة واعتبره جهاز “أم آي 6” الإستخباري البريطاني في الحقيقة “جهادياً مُلتزماً”، وتم سجنه في عام (2013) فيما يتعلق بخطف اثنين من الصحفيين الغربيين في شمال سوريا، وتمّ استبعاده من المجلس الطبّي العام البريطاني في عام (2016).

لكن لماذا تمّ إطلاق سراحه من دون إصدار حُكم عليه وسُمح له بالسفر إلى سوريا؟

لا يزال هذا يمثل لغُزاً بالنسبة لي ؟!!.

( يتبـع … )

المصدر (almayadeen.net)                                                     

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz