حقائق يرويها صحفي استقال من مجلة “نيوزويك” بسبب أكذوبة الكيميائي في دوما – الجزء (2)

يقول الصحفي البريطاني (طارق حداد) من مجلة “نيوزويك” الأمريكية: “لقد رفضت إعادة استخدام اللغة القذرة المُستخدمة نفسها، في عدد من الصحف والمجلات الأخرى.

حيث أنه لطالما كان يُشار إلى تنظيم “القاعدة” والمجموعات التابعة له على أنهم إرهابيون بقدر ما كنت أدرك، فلماذا التغيير المفاجئ إلى تعبير “الثوار” أو “الثوار المُعتدلين” لأغراض تتعلّق بسوريا ؟.

ولحُسن الحظ، فإن مُحررة الأخبار التي عملت معها في ذلك الوقت (فيونا كيتينغ) كانت تثق في تغطيتي ولم تكن لديها أي مشكلة معي في استخدام المُصطلحات الأكثر ملاءمة مثل “المقاتلين المناهضين للأسد” أو “المتمردين”- على الرغم من أنه يُمكن القول إنه حتى هذه العبارات لم تكن دقيقة بما فيه الكفاية.

وعندما تعرّضت حافلات تقلّ لاجئين مدنيين (من كفريا والفوعة) على أمل الفرار من القتال في محافظة إدلب لهجمات بسيارات مفخخة في أبريل/نيسان 2017، ممّا أسفر عن مقتل أكثر من (100) شخص، مُعظمهم من النساء والأطفال شعرتُ بخيبة أمل إزاء صحيفة “الغارديان” وقناة “بي بي سي” لاستمرارهم في استخدام هذه الكلمة الطفولية (الثوّار).

وفي نفس الوقت تقريباً، في ضوء هجوم (خان شيخون)، واجهتُ قائمة متزايدة باستمرار من المُخالفات والتزوير الواضح-مثل الأدلّة المتزايدة على أن مجموعة “الخوذ البيض” لم يكونوا ما زعموا أنهم عليه، أو سخافة العالم الغربي بالحكم على الواقع في سوريا من خلال كتابات (بانا العابد)، وهي لاجئة سوريّة تبلغ من العمر (7) سنوات.

لقد كتبتُ مقالة رأي حول أن ما يُسرد حول النزاع السوري هو كذبة، ولكن تمّ رفض هذه المقالة من قِبل صحيفة (IBTimes) على الرغم من أنني قُمت بنشرها في (CounterPunch) لاحقاً – لكن رسالة الرفض الإلكترونية التي تلقيتها من رئيس التحرير في ذلك الوقت تجعل القراءة مثيرة للاهتمام.

كنت حزيناً لسماع أن طلب إجراء تحقيق مستقلّ في هجوم بالأسلحة الكيميائية كان “نظرية تحريضية”، وبعد أن شعرتُ بالإحباط من الصحافة، قررت الانتقال إلى البرّ الرئيسي لأوروبا على أمل متابعة شغفي الآخر -الأدب- مع طموحات القدرة على الكتابة بحريّة أكبر.

في عام (2019)، قررت العودة إلى الصحافة لأنني كنت أشعر بالضغط من أجل الحصول على “وظيفة راشدة”. لذلك عندما انضممت إلى مجلة “نيوزويك” في شهر أيلول/سبتمبر، كنت مُمتناً جداً لهذه الفرصة ولم تكن لديّ أيّ نيّة في أن أكون مثيراً للجدل- وبمجرّد وصولي، أكدت (نانسي كوبر) رئيسة تحرير “نيوزويك” على كتابة التقارير الأصلية وكنتُ أكثر سعادة بذلك.

كنتُ أرغب في الانخراط بذلك وأبدأ في بناء سمعتي كصحفي مرّة أخرى.ثم في السادس من تشرين الأول/أكتوبر (2019)، أعلن الرئيس دونالد ترامب قرار سحب القوات الأمريكية من سورية ومنح الضوء الأخضر للغزو التركي الذي تلا ذلك خلال أيام.

وبالنظر إلى فهمي للوضع، طلب منّي مُحرر “نيوزويك” الكتابة عن ذلك.

في غضون أيام من بدء الغزو التركي لسوريا، اتُهمت تركيا باستخدام الفوسفور الأبيض الكيميائي الحارق في هجوم على بلدة رأس العين، ومجدداً، بعد أن رتّبت القصّة، طُلب منّي الكتابة عن المزاعم.

وأثناء التحقيق في هذه القِصّة، بدأتُ أجد أدلّة متزايدة على أن الهيئة المدعومة من الأمم المتحدة للتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية، منظمة (OPCW) أصدرت تقريراً حول الهجوم الكيميائي المزعوم في دوما في نيسان/أبريل 2018، ممّا أثار غضب المُحققين التابعين لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية الذين زاروا المكان.

وبمجرّد أن نشر (بيتر هيتشنز) من صحيفة “الديلي ميل” قصّته التي تحتوي على رسالة مُسرّبة تمّ تعميمها داخلياً من أحد علماء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الساخطين، اعتقدت أن هناك أكثر من دليل كافٍ لنشر القصة في “نيوزويك”.

وأصبحت هذه القضية أقوى عندما أكدت وكالة (رويترز) هذه الرسالة وأكدها الدكتور (خوسيه بستاني) المدير العام السابق لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية .

وعلى الرغم من أنني لست غريباً على فرض الرقابة على لغتي في الصحيفة أو المجلة، إلا أن هذه كانت الحقيقة التي يجب إخبارها.

لم أكن على استعداد للتراجع عن هذا. اسمحوا لي أن أكون واضحاً: هناك دليل على أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة تم تأسيسها بعد أن وافق العالم على عدم تكرار أهوال الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، فبعد أن عثر خُبراء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على مستويات ضئيلة من الكلور عندما زاروا (دوما)، لا تختلف عن مستويات الكلور الموجودة عادة في الغلاف الجوي أو عندما أثاروا مخاوف من أن العبوات قد تمّ العبث بها أو وضعها، وكلا الأمرين ورد في تقاريرهم الأصلية، قاموا بالاحتجاج لأن هذه المعلومات تم حجبها من التقرير النهائي الذي تمّ إصداره لوسائل الإعلام العالمية.

وبدلاً من ذلك قالت الصياغة النهائية إن وجود الكلور “مُرجّح”، واستمرت آلة الحرب بالعمل.هذه ليست “نظرية مؤامرة” كما قالت مجلة “نيوزويك” للأسف في تصريح لموقع “فوكس نيوز”ومن المثير للاهتمام أنه كان الوسيلة الوحيدة التي غطت استقالتي.

لقد التقى علماء حقيقيون من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بصحفيين حقيقيين وشرحوا لهم الجدول الزمني للأحداث  وقدّموا مستندات أثبتت هذه الادعاءات، وهي وثائق أكدتها (رويترز) بعد ذلك.

وفي الوقت نفسه، مُنع علماء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من التحقيق في استخدام تركيا للفوسفور.

هذا كلّ ما أردت الإبلاغ عنه في مقالتي.

هذا التسييس الصارخ لهيئة يُفترض أن تكون مُحايدة يفتح العالم أمام تكرار نفس الفظائع التي مررنا بها في هاتين الحربين المُدمّرتين.

وهذا غير مقبول وقد استقلتُ عندما مُنعت من الكتابة عن ذلك.

وفي النهاية يجب القول : ( تُدير المافيا المُحررين، وحرية الصحافة ميّتة. لذلك يجب على الصحافيين والناس العاديين الوقوف في وجهها ).

المصدر (almayadeen.net)                                                       

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*