البدعة القانونية التي تستخدم لتبرير الحروب والضربات الاستباقية

كثيراً ما يُردّد  المسؤولون الأمريكيون عبارة “الخطر الداهم” أو “التهديد الوشيك” (imminent threat) كمصطلح “قانوني” لتبرير الضربات أو الاعتداءات “الاستباقية” ضدّ الدول أو الأفراد ويصنّفون ذلك على أنه نوع من “حالات الدفاع عن النفس”.

فمِن أين جاء هذا المُصطلح وما هي الأسس  التي بُني عليها ؟ وهل يصلح حقاً كأساس قانوني لتبرير ما يجري من أفعال عِدائية تندرج ضمن وصف بعض المراقبين بكونها من أفعال الحرب ؟

كريغ موراي (Craig Murray) سفير بريطاني سابق لدى أوزباكستان يُقدّم بعض الإضاءات الهامة حول هذا المُصطلح وخلفيته وأبعاده، يقول (موراي) في مقال نشره على موقعه الخاص وأعيد نشره في موقع “كونسورتيوم نيوز” (Consortiumnews) ما يلي:

ضِمن سلسلة الأكاذيب الفاضحة التي يسوّقها لتبرير اغتيال الفريق قاسم سليماني, يزعم  وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن عملية الاغتيال تمّت لأنه  كان يُخطط  لتنفيذ “هجمات وشيكة” (imminent attacks) ضدّ مواطنين أمريكيين.

بومبيو انتقى هذه العبارة بعناية لأنه هنا يشير تحديداً إلى “عقيدة بيثليهيم” الاستباقية للدفاع عن النفس.

يقول موراي أن “مُبتدع هذا المُصطلح هو دانييل بيثليهيم (Daniel Bethlehem) عندما كان مستشاراً قانونياً لحكومة بنيامين نتنياهو في الفترة الأولى من تولّيه رئاسة مجلس الوزراء ثم مستشاراً قانونياً لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير.

 ( من اللافت هنا  أن اسمه بالانجليزية (Bethlehem) هو نفس الاسم المُستخدم للمدينة الفلسطينية العريقة بيت لحم ).

تنصّ عقيدة بيثليهيم (بيت لحم) على أن للدول الحق بالدفاع عن النفس بشكل استباقي ضدّ هجوم داهم.

من حيث المبدأ قد يكون هذا مقبولاً لدى الكثيرين ولدى مُعظم خبراء القانون والقضاة الدوليين, بمن فيهم أنا.

لكن ما لا يقبله الكثيرون بل وربما ما لا يقبله أي محامٍ من المحامين الدوليين هو صلب “عقيدة بيثليهيم” وهو أن تعبير أو كلمة “داهم أو وشيك” التي يستخدمها بومبيو بعناية لا تُستخدم وفق معناها الطبيعي العادي الذي نفهمه وهو أن هذا الهجوم سوف يقع قريباً وسريعاً بل وليس من الضروري أن يكون وشيك الحدوث!!.

وفق “عقيدة بيثليهيم” هذه, يمكن اعتبار هجوم ما “داهماً” حتى إن لم تكن تعرف أية تفاصيل حوله أو متى أو أين يمكن أن يقع.

وهكذا, يمكن أن يتم اغتيالك بواسطة طائرة مسيّرة أو قصف جوي بناءً على معلومات “استخبارية” تقول أنك مُنخرط في الإعداد لخطة ما دون أن توضح هذه المعلومات الاستخبارية ما هي هذه الخطة ولا متى يمكن أن  تنفذ.

بالمناسبة,  لقد تمّ ابتداع هذه العقيدة تحديداً لتبرير مثل هذه الضربات الجوية.

بل أسوأ من ذلك, فوفق هذه العقيدة, يجوز تنفيذ الضربات أو الاغتيالات لأن هناك معلومات استخبارية تزعم أنك كنت منخرطاً في خطة ما مِن قبل وبالتالي هناك سبب معقول للاعتقاد بأنك يمكن أن تفعل ذلك مرة أخرى “.

ويتابع موراي موضحاً : ” أنا لا أبتدع قصة “عقيدة بيثليهيم” هذه. لقد شكّلت الإطار القانوني الرسمي الذي استندت إليه الحكومات الاسرائيلية والبريطانية والأمريكية في تنفيذ الاغتيالات عبر الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة على مدى عقد من الزمن تقريباً، وقد قام مُبتدعها بنشرها على شكل أوراق عمل أكاديمية بعد مغادرته لوظيفته الحكومية.  إلا أن الصيغة  التي تعتمدها كلّ من الحكومات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية ما تزال (سـرّية) “.

التلاعب بمعنى كلمة “داهم” أو “وشيك” : وهكذا عندما يقول بومبيو أن الهجمات التي يزعم أن سليماني كان يعدّها كانت “داهمة” فهو هنا لا يستخدم المدلول اللغوي الطبيعي أو العادي للكلمة كما نفهمها باللغة الانجليزية.

ولا طائِل من سؤاله : ماذا؟ أو أين؟ أو متى تم التخطيط  لمثل هذه “الهجمات”؟

فهو هنا يُشير إلى “عقيدة بيثليهيم” التي يمكن له بموجبها قتل الناس بناءً على الإحساس بأنهم ربما كانوا يشرعون بالقيام بفعل ما.

لكن هذه الفكرة – أي فكرة القيام بقتل شخص ما لأنك حصلت على معلومات تقول بأنه سوف يهاجمك لكنك لا تعرف متى أو أين أو كيف ثم تبرير ذلك بأنه  نوع من أنواع “الدفاع عن النفس” – لم تحظَ بقبول واسع النطاق , بل لم تحظَ بأي قبول في الأوساط القانونية خارج نطاق المحافظين الجدد المُتشددين والصهاينة, والكلام هنا لموراي.

من جلبَ “دانييل  بيثليهم” أو (بيت لحم)  إلى الخارجية البريطانية كمستشار قانوني كان الوزير السابق جاك سترو.

وقد جاء به إلى هذا المنصب تحديداً لأن جميع المستشارين القانونيين في الخارجية البريطانية دون استثناء كانوا يعتقدون أن حرب العراق غير قانونية في العام (2004).

وعندما كان مجلس العموم البريطاني يناقش “مدى قانونية” حرب العراق, قدّم “بيثليهم” هذا ورقة لافتة تقول أن الحرب كانت “قانونية” لأن المحاكم والقانون الحالي كانوا على خطأ “!! وهذا دفاع  قلّما يمكن قبوله في أية محكمة ويصعب أن يحظى بالقبول في أية محكمة.

يقتطف موراي فقرة من مرافعة “بيثليهيم” هذا ليوضح أن جُلّ اهتمام الرجل كان منصبّاً على ضرورة “تغيير” مفهوم “الخطر الداهم” أو “الوشيك”.

وهكذا سيتم “تطوير” المفهوم الذي نستدلّ من خلاله على معنى ومغزى كلمة وشيك أو داهم وما تعنيه هذه الكلمة ليصبح أمراً آخر يناسب الظروف المُستجدّة والأخطار الجديدة.

وفي غياب أيّ محامٍ دولي محترم راغب أو مستعدّ للمجادلة في مثل هذا النوع من الترّهات, قام بلير بتعيين هذا الرجل المسمّى “بيثليهيم” رئيساً للمستشارين القانونيين, علماً أنه هو الذي  قدّم الاستشارة القانونية لنتنياهو حول الجدار الأمني وهو الذي اعتبر أن غزو العراق كان “قانونياً” بناءً على مزاعم أن العراق كان يشكل خطراً داهماً على المملكة المتحدة وهي المزاعم التي تبيّن لاحقاً عدم صحّتها وعدم وجود أي تهديد.

توق “بيثليهيم” (بيت لحم) هذا للقتل يتضح جليّاً عندما نعرف أن عقيدته لشرعنة الاعدامات خارج  القانون بواسطة طائرات مسيّرة قد تمّ صوغها بعد حرب العراق وبعد اتضاح كذب المزاعم التي سيقت لتبرير ذلك الغزو, ما يعني أنه لم يفكر ولو للحظة واحدة أن المعلومات الاستخبارية حول “التهديد الداهم” المزعوم يمكن أن تكون خاطئة.

لكن “بيثليهيم” لايعنيه ذلك. وهو لم يتناول في دراسته التي صاغ بموجبها عقيدته ماذا يمكن أن يحدث فيما لو تمّ اغتيال الناس بناءً على معلومات استخبارية خاطئة. عدم اكتراثه بذلك يدلل على أن شهوة الدم لديه قوية.

هناك, في الواقع, دراسات ومقالات كثيرة نُشرت في مُعظم الصُحف المُحترمة المُتخصّصة بالقانون الدولي التي كشفت عيوب هذه “العقيدة” وبيّنت ما فيها من ترّهات فاضحة تنافي المبادئ الأساسية للقانون.

كما أنني (أي موراي) تناولت بعض جوانب هذه العقيدة ضِمن مساهمتي في كتاب حول مقالة (ناعوم تشومسكي) المُعنونة : “حول مسؤولية المثقفين أو المفكرين”.

في المملكة المتحدة, قدّم المُحامي العام (المدّعي العام) خطاباً يدافع فيه عن سياسة الطائرات المُسيّرة التي تنتهجها بريطانيا في الاغتيالات, بما في ذلك اغتيال مواطنين بريطانيين في الخارج . قائلاً بنوع من محاولة إرسال رسالة “تطمينية” بأن هذه الاعدامات دون محاكمة تخضع لمعايير عدّة.

الصحافة البريطانية كررت خطابه بكل طاعة وانصياع أعمى ودون أي انتقاد.

في الواقع, كل ما فعلته صحيفة الغارديان هي أنها أعادت نشر الخطاب كما هو مع ترويسة صغيرة من المحرر لا تتجاوز السطر الواحد.

وسائل الاعلام لا تبدي اهتماماً ولم تقم بإجراء تقييم نقدي لهذه المسيرة التي تقوم الحكومة البريطانية من خلالها وبشكل دوري باغتيال الناس دون محاكمة.

لكن الأمر على غاية الأهمية, في الواقع. أصل هذه السياسة جاء مع تعيين “دانييل بيثليهيم” بمنصب كبير المستشارين القانونيين في الخارجية البريطانية.

التعيين جاء مِن قِبل (جاك سترو) وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تعيين شخص خارجي ومن خارج ملاك الوزارة التي يعمل فيها فريق كبير من المُحامين الدوليين المرموقين الذين يتمتعون بسمعة حسنة على المستوى الدولي.

والسبب  في ذلك ليس مثار جدل. السبب هو أن جميع المستشارين القانونيين لدى الخارجية البريطانية ودون استثناء قد قالوا أن غزو العراق لم يكن قانونياً.

لكن (جاك سترو) كان يرغب بالعثور على “رأس جديد” للإدارة يتناغم مع رؤية المحافظين الجدد للعالم.

مضى سترو إلى أبعد مدى وقام بتعيين “دانييل  بيثليهيم” الذي كان الخبير القانوني الذي قدّم الاستشارة القانونية لبنيامين نتنياهو حول “قانونية” بناء الجدار “العظيم” الذي يفصل الفلسطينيين بعيداً عن أرضهم ومصادر مياههم. “بيثليهيم” كان من الدُعاة المتحمّسين لغزو العراق ولم يكن في العالم كلّه من هو أشدّ حماسة منه للضربات الجوية بالطائرات المسيرة.

“بيثليهيم” هو الذي قدّم الاستشارة القانونية حول الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة, التي أقلّ ما يمكن أن يُقال عنها أنها لا تحظى بالإجماع أو أنها ما تزال مثار خلاف وجدل.

وكمثال واحد على ذلك, يمكن أن نشير إلى أن “بيثليهيم” يتقبّل أن مبادئ القانون الدولي تقضي بأن القوة القاتلة يمكن أن تُستخدم فقط لمنع هجوم وشيك.

لكن “بيثليهيم” يُجادل بأن الهجوم الوشيك لا يعني بالضرورة أنه سيحدث سريعاً.

نعم هذا ما يقوله أي يمكنك أن تقتل لمنع حدوث هجوم وشيك حتى ولو لم تكن لديك معلومات حول متى أو أين يمكن أن يحدث مثل هذا الهجوم.

يمكنك فقط أن تعتمد على نمط السلوك للشخص المُستهدف.

أي إذا كان قد قام بهجوم من قبل, سيكون من المعقول الافتراض بأنه سيهاجم مرة أخرى وأن هذا الهجوم “وشيك” (imminent).

لكن هناك مُشكلة أعمق وهي أن الدليل ضدّ المُستهدف غالباً ما يكون ضبابياً للغاية. فحتى لو افترضنا أن هناك دليلاً واضحاً وتاماً, يصعب عليَ تقبل فكرة قيام الدولة بالقتل في مثل هذه الظروف دون اعتبار ذلك نوعاً من الحكم بالإعدام دون محاكمة أكثر من كونها محاولة لإحباط هجوم وشيك جديد.

المؤسف أن الصحافة البريطانية الجديّة قد تبنّت خط الحكومة حول هذا الموضوع ولم يكتب صحفي واحد قط أن تعريف “بيثليهيم” المُقترح لكلمة “وشيك” أو “داهم” قد لاقى رفضاً واسعاً من قِبل غالبية رجال القانون الدولي.

لذا فالرأي العام لا يعرف شيئاً عن هذه المُغالطة القانونية لأن أحداً من الصحفيين لم يخبرهم بذلك.

كلّ ما يعرفه الناس هو أن “الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة” تحافظ على سلامتهم وتحميهم من هجمات الإرهابيين فقط لأن الحكومة تقول ذلك.

ولم يقـم أحـد آخر بإخبارهـم عكـس ذلك.

لنتذكر أن هذه العقيدة ليست مجرّد جدل قانوني أكاديمي. إنها السياسة الرسمية التي تتبعها كل من اسرائيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضدّ الناس في تنفيذ الاغتيالات.

ويقول أنه لو قدّر له أن يُرمى في الدرك الأسفل من النار (جهنّم) فإن أقسى عقوبة يمكن أن يُعاقب بها هناك هو أن يكون برفقته “دانيال بيثليهيم”.

في مقالته الطويلة, يُـفنّد موراي أيضاً باقي الأكاذيب التي يتم ترويجها حول اغتيال سليماني ثم يخلص أخيراً إلى القول بأن عالم السياسة في بريطانيا مُذعن لقوّة المُحافظين الجُدد والإعلام ولهذا لا نسمعهم ينتقدون اغتيال سليماني باعتباره عملاً غير قانوني بشكل فاضح.

ذلك العمل , في الواقع, كان فِعلاً من أفعال إرهاب الدولة قامت به الولايات المتحدة .

هكـذا وبكـلّ بسـاطة…

لكن ما لم يذكره موراي مع أنه يُثير الكثير من التساؤلات هو : ماذا عن باقي دول العالم ؟

وهل يحقّ لها هي أيضاً تطبيق هذه “العقيدة”, التي يُمكن النظر إليها على أنها أكثر قرباً وتماثلاً مع الفتاوى الدينية منها إلى القانون؟

  • المصدر : مقتطفات من مقال طويل للسفير البريطاني السابق لدى أوزباكستان (كريغ موراي) الذي أصبح الآن من الناشطين الحقوقيين.

  • المقال نُشر للمرة الأولى على موقعه على الانترنت ثم أعيد نشره على موقع “كونسورتيوم نيوز“.

  • تمّـت ترجمـة هـذه المقتطـفات إلـى العربيـة لموقـع (Syrianfacts).

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz