مُلابسـات إســـقاط «الطائـرة الأوكرانيـة» – (صــحافة)

ما يزال الحادث المأساوي لسقوط لطائرة الأوكرانية في أجواء إيران حديث الصحف والاعلام نظراً لحساسية الموضوع من حيث فقدان العديد من الأرواح جلّهم إيرانيون أو إيرانيون مُغتربون يحملون الجنسية الكندية أو غيرها, هذا إضافة إلى التوقيت المُريب بعض الشيء.

فقبل ساعات فقط كانت إيران قد وجّهت ضربات صاروخية دقيقة استهدفت قاعدة (عين الأسد) العسكرية التي تستخدمها القوات الأمريكية المتواجدة في العراق وذلك رداً على اغتيال قائد فيلق القدس اللواء “قاسم سليماني” بغارة أمريكية استهدفت موكبه الذي كان يضمّ أيضاً الرجل الثاني في قيادة الحشد الشعبي العراقي “أبو مهدي المهندس”.

في البداية عزت إيران الحادث إلى خلل فني, مُشيرة في الوقت عينه إلى تواجد نشاط مُريب لطائرات أمريكية في الجوار.

لكن الروايات الإعلامية جاءت مُتضاربة للغاية وكثرت الأقاويل والتحليلات والتفسيرات والنظريات.

هناك من سارع بإلقاء المسؤولية على إيران وزعموا في البداية أن الطائرة أصيبت بأحد الصواريخ الطائشة التي كانت تستهدف القاعدة.

سرعان ما تبيّن بُطلان هذه الرواية ، لا بسبب بُعد المسافة بين موقع سقوط الطائرة ومكان العمليات فحسب بل بسبب الفارق الزمني الكبير.

فالطائرة سقطت بعد ساعات من توقف القصف على القاعدة لذا لا يمكن أن يكون صاروخاً طائشاً.

الموالون لإيران رجّحوا أن تكون الحادثة كلّها مُدبّرة وأن تكون أيادٍ خفيّة وراء الحادث.

هناك أيضاً من رجّح وجود (هجوم سيبراني) على منشآت الدفاع الجوي الإيراني تسبّبَ في التشويش على أجهزة الرصد والاتصالات والرادارات.

اليوم وبعد مرور كل هذه الأيام بدأت بعض المُعطيات تتكشّف رويداً رويداً ويمكن إيجاز أهم التطوّرات بما يلي :

في أول تعليق له حول الحادثة, قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: ” لديّ شكوك .. شخصٌ ما ربما ارتكب خطأ ما “.

بعد حوالي يومين, أعلنت إيران مسؤوليتها عن الحادثة وقالت أنها ناجمة عن “خطأ بشري” وأنها فتحت تحقيقاً في الأمر وسوف تُحاسب المسؤولين عنه.

رئيس وزراء كندا رأى أن الولايات المتحدة تتحمّل جزءاً من المسؤولية لأنها هي السبب في حالة التوتر والتصعيد التي سيطرت على المنطقة ولو لم يحدث هذا التصعيد لكان ركاب الطائرة الآن أحياء بيننا.

الصحافة المستقلة أوردت تساؤلات كثيرة جديرة بالتوقف عندها, قد يكون أهمّها ما كتبه جو كوين (Joe Quinn) في موقع سوت (Sott) الذي أشار  إلى حالة الترقّب والتوتر السائدة حينها مع ورود الكثير من الأنباء حول احتمال قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربات صاروخية إلى مواقع إيرانية هامة ، ثمّ طرح التساؤل التالي : “لكن السؤال الهام والذي لم نجد له تفسيراً حتى الآن هو لماذا أخطأ الفني المسؤول عن بطارية الدفاع الجوي في تحديد هوية هذه الطائرة تحديداً”؟

عِلماً أنها تأخرت قرابة الساعة عن موعدها (وبالمناسبة هي لم تحصل على الترخيص الفني المُعتاد, وفق ما ذكرت وسائل الاعلام الإيرانية) واتخذت مسارها المُعتاد ثمّ فجأة وبعد حوالي دقيقتين توقف جهاز إرسال الطائرة ومعه جهاز تعريف الهوية.

” كان هذا الفنّي يراقب على شاشة الرادار إقلاع الطائرات المدنية من المطار بكل سلامة وهدوء .. في تلك الليلة أقلعت من المطار تسع طائرات مدنية اتخذت كل منها مسارها المُعتاد وكان جهاز التعريف يعمل جيداً .. ومرّت الساعات ولم يحدث شيء .. و لم يُخطئ الفنّي في تحديد هوية أيّ منها.. لكن فجأة وعند الساعة السادسة واثنتي عشرة دقيقة صباحا (6:12)  كان هذا الفني متيقناً أن طائرة البوينغ (737) هذه رحلة رقم (بي اس 752) المتوجّهة إلى كييف هي طائرة مُعادية وأن عليه إسقاطها. فكيف حدث ذلك؟ ولماذا لم يحدث هذا الأمر مع الطائرات التسع الأخرى التي سبقتها ؟ “.

يسوق (جو كوين) عدّة فرضيات حول هذا الأمر, متسائلاً عن سبب توقف جهاز الإرسال الذي يتمّ التعرّف على الطائرة من خلاله وذلك قبيل الحادثة بحوالي نصف دقيقة, وموضحاً أنها استدارت فجأة وغيّرت اتجاهها مُتخذة طريق العودة إلى طهران!!

و يتوقف مليّاً عند أمر آخر وهو الشخص الذي قام بتصوير الطائرة لحظة إصابتها بالصاروخ .. متسائلاً عن سبب وقوف ذلك المصوّر المجهول في تلك البقعة المُهملة في جوار المطار في تلك الساعة المُبكّرة من ذلك الصباح.

وحول ذلك يقول : ” الشخص المجهول الذي قام بتصوير الفيديو الذي تبلغ مدّته حوالي (19) ثانية ويظهر فيه صاروخ يُصيب الطائرة بُعيد إقلاعها من المطار أي حوالي الساعة السادسة والربع صباحاً بقي صامتاً طيلة مدّة التصوير بينما كان على الأغلب يُدخّن سيجارة أثناء التصوير لأن سُحب الدُخان كانت تظهر بين الفينة والأخرى على الشاشة .

صحيفة (نيويورك تايمز) حدّدت موقعه بدقة مُستخدمة بيانات الأقمار الاصطناعية. السرعة التي تحرّكت بها المصادر الفنّية للصحيفة والاهتمام الفوري والآني الذي أولي لهذا المقطع يشي بالكثير ويطرح تساؤلات مشروعة حول ما جرى”.

السؤال الذي طرحه الكثيرون من مُستخدميّ وسائل التواصل الاجتماعي هو: ما الذي كان يفعله هذا الشخص في تلك المنطقة وفي تلك الساعة من الصباح الباكر وكيف كانت كاميرته موجّهة بهذه الدقة إلى مكان الطائرة التي تكاد لا تُرى؟ .

وكيف بقي هادئاً تماماً بالرغم من حدوث هذه الكارثة  الرهيبة ؟ ولم يرفّ له جفن بعد حدوثها .

تبيّن لاحقاً أن (ناريمان غريب) التي قالت صحيفة نيويورك تايمز أنها حصلت على الفيديو منها هي من أشدّ المعارضين لإيران وتدعو على صفحتها باستمرار إلى تغيير النظام ؟؟.

وخبير صحيفة نيويورك تايمز الذي “تحقق من صدقيّة الفيديو” وتعاون مع (ناريمان غريب) في كتابة وإعداد القصّة للنشر هو كريستيان تريبرت (Christiaan Triebert) الذي كان يعمل في موقع “بيلنغ كات” (Bellingcat) الذي كان ينشر الكثير من القصص ضدّ ( روسيا و سورية ) ومن بينها فبركات الكيماوي.

تواجد هذا المصوّر قبيل الحادثة بهذا الشكل يدلّ على أنه كان على عِلم مُسبق بالحادثة وسرعة استغلال ونشر الفيديو مع إعطائه كلّ هذه التغطية الاعلامية بالتعاون مع معارضة إيرانية لا تسكن في إيران بل في الولايات المتحدة, يثير الكثير من الريبة والشكّ في أن تكون الحادثة كلّها مُدبّرة ” .

نكتفي بهذا القدر من مقال (جو كوين) ونعود إلى المتابعة الصحفية للحدث.. ففي هذه الأثناء وتحديداً في الخامس عشر من الشهر الحالي (15 كانون الثاني) أوردت بعض المواقع الاعلامية الايرانية ومن بينها وكالتا ( تسنيم و فارس ) خبر اعتقال الشخص الذي صوّر مقطع الفيديو المذكور للتحقيق معه..

شبكة  “سي إن إن عربية” أوردت الخبر أيضاً نقلاً عن هاتين الوكالتين مُشيرة إلى أنها هي أيضاً حصلت على مقطع الفيديو من (ناريمان غريب) التي احتجّت على اعتقال المصوّر قائلة: ” لقد اعتقلوا الشخص الخطأ ” !!.

من الروايات اللافتة الأخرى التي تم تداولها كان تحليلاً لـ (روبرت ديفيد ستيل) أوردته وكالة (مُهر) الإيرانية للأنباء في صفحة الرأي يتساءل فيه عمّا إذا كانت عملية إسقاط الطائرة هي عملية مُدبّرة من الغرب تمّت من خلال اختطاف الطائرة والتحكّم بها عن بُعد ثم تعطيل جهاز الارسال فيها وقطع الاتصال معها ممّا تسبّب بإطلاق صاروخ الدفاع الجوي من بطارية صواريخ (تور إم 1) كلّ ذلك لوضع إيران في وضع صعب وإظهارها بمظهر غير المبالي بحياة المدنيين على الطائرة أو أن طواقمها الفنية ليست على المستوى المناسب من الكفاءة وفي الحالتين تبدو كما لو أنها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذه الكارثة.

ويدلل على ذلك بالقول أن طائرات بوينغ مُجهّزة بحيث يمكن أن تقوم الولايات المتحدة أو اسرائيل باختطافها والتحكم بها عن بُعد عبر الأقمار الاصطناعية ودون الحاجة إلى وجود طائرة أخرى بجوارها, مشيراً إلى أن نظام الاتصالات وجهاز الارسال قد تمّ تعطيلهما وقد توقفا أو أوقِفا عن العمل وسواءً كان كابتن الطائرة قادراً على الاحتفاظ بقدرته على التحكم بالطائرة أم لا فممّا لا شكّ فيه هو أن الطائرة قد استدارت مُتخذّة اتجاه العودة إلى المطار.

(عندما يتعطّل جهاز الارسال يتوقف معه بثّ اشارات التعريف التي تحدد الصديق من العدو ولهذا السبب ربما أخطأ الفني في تحديد هويتها).

(روبرت ستيل) لم يكن الوحيد الذي تحدث حول هذا الموضوع الخطير .. فقد وردت تقارير عديدة تُشير إلى أن طائرات بوينغ وبعد أحداث أيلول قد تمّ تزويدها بشرائح إلكترونية تتيح التحكّم بها عن بُعد وذلك كإجراء “احترازي” في حالات حدوث اختطاف للطائرات ..

ويُخشى الآن أن يكون قد تمّ استغلال هذه التقنية لتدبير هذا الحادث ..

بالمناسبة, عندما يتعطل جهاز الإرسال يتوقف معه بثّ إشارات التعريف التي تُحدّد الصديق من العدو وفي أحسن الأحوال تكون الطائرة موضع شبهة.

موقع (وكيبيديا) باللغة الانجليزية كان قد خصّص صفحة كاملة لهذا الموضوع يقول فيه أن نظام الطيار الآلي غير القابل للانقطاع هو نظام حديث تمّ تطويره من قِبل شركة (بوينغ) بالتعاون مع شركة هوني ويل (Honeywell) ويمكن من خلاله التحكّم بالطائرات عن بُعد إذا ما تعرّضت الطائرة للاختطاف.. وأنهما حصلتا على براءة اختراع لهذا النظام الالكتروني الحديث في العام (2006) وبموجبه تقوم الطائرة بالهبوط في المطار الذي يُحدّد لها دون أن يكون لكابتن الطائرة أو الطاقم أيّ دور في ذلك.

( إذا كان هذا الكلام صحيحاً فقد يفسّر سبب الاستدارة المُفاجِئة التي اتخذتها الطائرة بعيد إقلاعها من المطار ).

من اللافت أيضاً التساؤلات التي أثيرت حول شركة الطيران الأوكرانية التي يملكها أو كان يملك حِصّة كبيرة من أسهمها رجل الأعمال إيهور (أو إيغور) كولوميسكي وهو الملياردير الذي يحمل ثلاث جنسيات وهي (الأوكرانية والاسرائيلية والقبرصية) .. ويُعتبر من أكبر مموّلي وداعمي الرئيس الأوكراني الحالي زيلينسكي.

فهو يملك قناة تلفزيونية خاصة كانت تبثّ الأعمال الدرامية الكوميدية لـ (زيلينسكي) والتي حصل من خلالها على الشُهرة والجماهيرية في أوكرانيا ممّا عزّز حظوظه بالفوز بالانتخابات.

قصّة هذا الملياردير تحتاج لوحدها إلى مقالات ومقالات.

فالمعروف عنه تشكيله لميليشيات مُسلّحة (أو جيش خاص) يُقدّر تعداده بحوالي مئتي شخص كانوا يقومون بالاستيلاء على الشركات بالقوّة ورشوة القُضاة وموظّفي القضاء لتمرير هذه السرقات.

وقد انتقل للعيش في اسرائيل منذ العام (2018) بعد أن تمّ تأميم مصرفه برايفت بانك (Privat Bank) ولم يعد إلى أوكرانيا إلا بعد فوز الرئيس الحالي (زيلينسكي)..

كما ظلّ يحمل جوزات سفر ثلاث بالرغم من أن القانون يحظر ذلك.. وفي ردّه على أسئلة الصحفيين حول ذلك قال مازحاً : ” القانون يمنع المرء من الحصول على جنسيتين لكنه لا يمنع الحصول على ثلاث “!! .

يقول موقع (إنتللنيوز) أن حُكماً قضائياً قد صدر في شهر نيسان يقضي بإلغاء قرار التأميم الصادر بحق مصرفه “برايفت بانك”, ممّا يعني أن (كولوميسكي) قد استعاد أملاكه ومن بينها شركة الطيران هذه.

شركة الطيران هذه عانت من صعوبات مالية بسبب العقوبات التي فرضتها روسيا على أوكرانيا وما يزال الجدل بينها وبين الحكومة الأوكرانية مستمراً حول إمكانية قيام الحكومة الأوكرانية بتعويض الشركة عن هذه الخسائر والتي تقدّر بملايين الدولارات.

وربما لهذا السبب أبدى بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي شكّهم في أن يكون له دور ما  في الحادث مُعللين ذلك برغبته بالحصول على أموال التعويضات. لكن من الصعب التحقق من ذلك, على الأقلّ في الوقت الراهن.

 

  • موقع (syrianfacts) لا ينفي ولا يتبنّى أياً من النظريات والفرضيات الواردة أعلاه لكن مع التداول الواسع للروايات المختلفة يُصبح من المُفيد بل من الضروري إطلاع القرّاء على ما يدور وما يُكتب في المواقع الإعلامية العالمية والمستقلّة, مؤكداً ضرورة انتظار نتائج التحقيقات لمعرفة حقيقة ما الذي جرى فعلاً.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*