اسـرائيل تلجأ إلى «تكتيك قذر» لتنفيذ عدوانها والغرب “الانسـاني” يتجاهل – (صــحافة).

في الساعات الأخيرة من هزيع ” الربع الأول” من ليلة الخميس وقبيل فجر الجمعة الواقعين في السادس والسابع من شهر شباط الحالي أقدمت إسرائيل على فعل مُنكر كان يُفترض أن يواجه بإدانة دولية واسعة في طول الأرض وعرضها.

فهي لم تقم بشنّ عدوان غير مبرر على مناطق عدّة من محيط العاصمة دمشق وريفها مُستهدفة منطقة صناعية مدنية بالكامل في بلدة التل ومناطق أخرى في محافظتي درعا والقنيطرة فقط ، بل قامت بذلك عندما كانت طائرة مدنيّة تهمّ بالهبوط في مطار دمشق الدولي.

ولولا فطنة وسرعة تصرّف برج المراقبة السوري لكانت الكارثة قد حدثت, لا سمح الله، لكن برج المراقبة تنبّه للأمر بسرعة وأصدر تعليماته للطائرة بتحويل مسارها والهبوط بسلامة وأمان في مطار حميميم في اللاذقية.

بداية ً, الغارات الاسرائيلية ضد سورية بحدّ ذاتها هي فعل حرب غير مبرر يمكن أن ترقى إلى جريمة العدوان والجريمة تصبح مُضاعفة إن كانت هذه الطائرات المُعتدية تستخدم الطائرات المدنية كدرع تحتمي به من الدفاعات الجوية.

فكيف يمكن النظر إلى الأمر إن صحّت بعض النظريات التي تقول أن اسرائيل قد تعمّدت شنّ غاراتها بالتزامن مع وقت هبوط الطائرة وذلك لخِداع الدفاعات الجوية السورية بحيث يتم إسقاط الطائرة المدنية عن طريق الخطأ لإظهار سورية وكأنها هي المذنبة ؟

مثل هذه النظرية, على فظاعتها وقسوتها, لا يجوز استبعادها كليّاً في ضوء ما تبيّن من ملابسات الحادث وباعتبار أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تلجأ فيها اسرائيل إلى مثل هذا “التكتيك” القذر كما سنوضح لاحقاً.

أشارت التقارير الأولية أن أربع طائرات حربية من طراز (إف 16) شنّت موجتين من الغارات الجوية مُستهدفة مناطق عدّة في محيط العاصمة دمشق وريفها وبما في ذلك منطقة صناعية مدنية بالكامل في بلدة التل محدثة أضراراً مادية في عدد كبير من السيارات المدنية المتواجدة في المنطقة.

الطائرات المُغيرة لم تدخل الأجواء السورية بل قامت بعدوانها من فوق لبنان والجولان السوري المحتل.

 في صبيحة اليوم التالي أي في السابع من شهر شباط بدأت الصورة تتضح أكثر. إذ تبيّن أن الطائرات المُعادية لم تقم فقط بخرق السيادة الجوية لكل من لبنان وسورية واستهداف مناطق مدنية فقط, بل عرّضت سلامة الطائرة المدنية وحياة ركابها للخطر في محاولة منها لإعاقة عمل الدفاعات الجوية أو لخداعها وجعلها تُسقط الطائرة عن طريق الخطأ.

فقد اتضح, وفق ما قدّمه الناطق باسم وزارة الدفاع الروسيّة اللواء (إيغور كوناشينكوف) من الايضاحات حول الغارات الاسرائيلية التي استهدفت دمشق ليل الخميس الواقع في (6) شباط أن أربع طائرات (إف 16) إسرائيلية قد أطلقت ثمانية صواريخ باتجاه مناطق عدّة من ضواحي دمشق وقد قامت الدفاعات الجوية السورية بالتصدّي لها بشجاعة وفعّالية.

الطائرات الاسرائيلية شنّت هجومها في الوقت الذي كانت تتواجد فيه طائرة ركاب مدنية من طراز إيرباص 320 (تبيّن لاحقاً أنها تابعة لشركة أجنحة الشام) وعلى متنها (172) راكباً مدنياً في الأجواء كانت تهمّ بالهبوط في مطار دمشق الدولي.

وبفضل العمليات التقنية والتشغيلية لمراقبي برج مطار دمشق والتشغيل الفعّال لنظام مراقبة الحركة الجوية الأوتوماتيكي، تم تفادي الكارثة وتم تحويل مسار الطائرة المدنية وإخراجها من منطقة مجال إطلاق الصواريخ المضادة وتم إنزالها بأمان في مدرج مطار بديل في قاعدة حميميم الروسيّة في الساحل السوري” .

وأوضح الناطق أن سلوك هيئة الأركان الإسرائيلية أثناء تنفيذ عملياتها العسكرية الجوية واستغلالها للطائرة المدنية بهدف إعاقة عمل منظومة الدفاع الجوي السورية بات “سمة” تنتهجها القوات الجوية الاسرائيلية, ما يدلّ على أنها لا تكترث بأرواح مئات المدنيين الأبرياء ” .

في مقابلة متلفزة, وصف النائب البريطاني السابق (جورج غالاوي) هذا الفعل بأنه “جريمة حرب” ولدى سؤاله حول ردّة فعل المجتمع الدولي حيال ذلك قال : ” يبدو (مع الأسف) أن هناك قانون خاص لإسرائيل وقانون آخر لبقية البشر!! “.

تلفزيون “برس تي في” قدّم سرداً وافياً للقصّة بكامل تفاصيلها مذكراً بالحوادث المشابهة ومشيراً إلى التزامن المُريب لا مع هبوط الطائرة وحسب بل مع انهماك سورية حالياً في معارك الشمال ضدّ الارهاب, متسائلاً عمّا إذا كانت هذه خطة مُدبّرة لزيادة التصعيد في سورية والمنطقة.

عدد لا بأس به من المواقع الصحفية تناول خبر هذه الحادثة التي كان يُفترض أن تثير سخطاً دولياً عارماً خاصة أنها تتزامن مع المعارك الضارية التي تخوضها سورية حالياً في الشمال لطرد جماعات مسلّحة مُصنّفة دولياً على أنها جماعات إرهابية كانت تقوم باستمرار بقصف المناطق المدنية الآمنة في كلّ من محافظتي حلب واللاذقية, لذا من الطبيعي أن تقوم الدولة السورية بمحاولة إعادة بسط الأمن والأمان على أراضيها وإعادة هذه المناطق الخارجة عن القانون إلى كنف الدولة بعد تطهيرها من الإرهاب.

لكن هذه الخطوة أغضبت أردوغان الذي أرسل تعزيزات عسكرية ضخمة إلى داخل الأراضي السورية في محافظة إدلب مُغامراً بإمكانية حدوث مواجهة مباشرة مع الجيش العربي السوري.

كلّ هذه التطورات المُقلقة لم تقلق عواصم الدول الغربية الكبرى. ولم تقم أيٌ منها بإصدار ولو مجرّد إدانة لفظية تدين فيها هذا الفِعل الاسرائيلي الشنيع.

في الواقع, مجلس الأمن عقد جلسة طارئة في السابع من شباط (2020), لكن لا ليناقش خطورة الأفعال الاسرائيلية والتركية, كما هو مأمول, بل في محاولة من الدول الغربية الكبرى لوقف تقدّم الجيش العربي السوري الذي يحرر أراضيه من الإرهاب.

هذه الدول, التي فرضت عقوبات خانقة على الشعب السوري, بررت معارضتها لتحرير إدلب بسوق جملة من الذرائع والحجج تحت مسمّى “مزاعم إنسانية” !! .

وبالعودة إلى قصّة الطائرة, أعادت وكالة (سبوتنيك) الروسيّة إلى الأذهان حادثة تحطم الطائرة الروسيّة (إليوشن – 20) في شهر أيلول من عام (2018) وقالت : “في حادث مشابه في شهر أيلول من عام (2018), اختفت طائرة (إليوشن – 20) التي كانت تقلّ (15) فرداً من الجنود الروس عن شاشات الرادار قرب مطار حميميم في سورية، ترافق اختفاء الطائرة, وفق وزارة الدفاع الروسيّة, مع هجوم شنّته أربع طائرات حربية اسرائيلية من طراز (إف 16) على أهداف غير محددة في محافظة اللاذقية”.

البيان الصادر عن وزارة الدفاع الروسيّة حينها قال أن الطائرات الاسرائيلية استخدمت الطائرة الروسيّة كغِطاء أو درع مُعرّضة إيّاها لهجوم الدفاعات الجوية السورية التي كانت تتصدّى للهجوم الاسرائيلي الأمر الذي تسبّب بإسقاط الطائرة الروسيّة بصاروخ (إس 200).

جميع من كان على متن الطائرة وعددهم (15) فرداً, قضوا حتفهم في حادثة التحطم تلك. “ما يثير الشكوك بأن الأمر لم يكن مجرّد صدفة”.

تكتيك غير مقبول وغير مسبوق : وكالة (سبوتنيك) نقلت أيضاً عن ضابط متقاعد سبق أن خدم لمدة أربعين عاماً في القوات الجوية السوفييتية ثم الروسية قوله أن ما مِن دولة في العالم قبل اسرائيل كان يمكن لها أن تفكّر ولو مجرّد تفكير بالتلطّي خلف طائرة غير مسلّحة.

ومن المؤكد أن القوات الجوية الروسيّة لا يمكن أن ُتقدِم على فعل أمر كهذا بأيّ حال من الأحوال لأنه تكتيك غير مقبول على الاطلاق (باعتباره منافياً للأخلاق).

كيف تم اسقاط طائرة (اليوشن – 20) عام 2018 – تفاصيل : في السابع عشر من شهر أيلول عام (2018) استخدمت طائرات (إف 16) الاسرائيلية الطائرة الروسيّة كغطاء أو درع تلطّت خلفه لتنفيذ هجومها.

في الثالث والعشرين من ذلك الشهر, قدّم الناطق باسم وزارة الدفاع الروسيّة اللواء (إيغور كوناشينكوف) شرحاً تفصيلياً يبيّن مجريات الحادثة لحظة بلحظة, موضحاً أن كامل المسؤولية تقع على عاتق الجانب الاسرائيلي.

وقال حينها: “نعتقد أن اللوم كلّه في الحادث المأساوي الذي أدّى إلى إسقاط طائرة (اليوشن 20) يقع بالكامل على عاتق قوات سلاح الجو الاسرائيلي.

فقد تم إسقاطها من قِبل وحدات الدفاع السوري لأن طائرات (إف 16) الاسرائيلية قد استخدمتها عملياً كغطاء ودرع يحميها أثناء تنفيذها الهجوم على سورية.”

ومن المفيد التذكير بذلك التوضيح والذي جاء كما يلي:

في السابع عشر من شهر أيلول عام  (2018), كانت طائرة (اليوشن 20) الروسيّة وعلى متنها (15) عنصراً من أفراد القوات الروسيّة تحلّق في مهمّة استطلاعية خاصة فوق منطقة خفض التصعيد فوق إدلب عندما قامت أربع طائرات (إف -16) اسرائيلية بالتحليق فوق المياه الدولية في شرق المتوسط وباتجاه الساحل السوري.

القوات الجوية الاسرائيلية أبلغت الجانب الروسي بتحذيرها خلال أقلّ من دقيقة واحدة قبل أن تبدأ بإلقاء القنابل الانزلاقية دقيقة التصويب على الأهداف المُعدّة سلفاً, أي أنها لم تمنح الجانب الروسي أي وقت للمناورة أو اتخاذ إجراءات السلامة.

ويعتبر هذا خرقاً فاضحاً للاتفاقيات (الروسية – الإسرائيلية) التي تمّ التوصّل إليها عام 2015 (والاشارة هنا ربما لاتفاقيات منع الاشتباك عن طريق الخطأ).

كما أن الجانب العسكري الاسرائيلي لم يبلغ الجانب الروسي لا بمكان تواجد طائراتهم ولا بمواقع الأهداف المنوي استهدافها.

بل زعموا أنهم يريدون استهداف بعض المنشآت الصناعية في شمال سورية قرب منطقة عمليات اليوشن 20.

هذه المعلومات الخاطِئة (إن لم نقل التضليلية) دفعت القيادة الروسيّة لإصدار أوامرها إلى طائرة الاستطلاع بالعودة إلى قاعدة حميميم. لكن الطائرات الاسرائيلية قامت على الفور بشنّ هجوم على محافظة اللاذقية”.

وحالما تصدّت الدفاعات الجوية السورية للغارة التمهيدية, قامت الطائرات الاسرائيلية بتشغيل أجهزة التشويش على الرادارات وبدأت بالانسحاب كما لو كانت تُعدّ العدّة لهجوم آخر.

بعد ذلك قامت إحدى الطائرات الاسرائيلية بالاقتراب من الطائرة الروسيّة التي كانت تهمّ بالهبوط في المطار في ذلك الوقت, كما هو مبيّن في الفيديو التوضيحي أدناه.

يعلم الطيار الاسرائيلي بالتأكيد أن طائرة اليوشن أوسع وأكبر مساحة بكثير من طائرة الـ (اف-16) وسوف تظهر بالتالي بشكل أوضح على شاشات الرادار ممّا يجعلها بالتالي الهدف المفضّل للدفاعات الجوية السورية التي (كانت في ذلك الحين) تستخدم نظاماً مختلفاً لتعريف العدو من الصديق وهكذا ظهرت الطائرة الروسيّة على شاشات الدفاعات الجوية السورية على أنها طائرة اسرائيلية.

أقلّ ما يُقال حول ما قام به الطيار الاسرائيلي والذي أدى إلى خسائر في أرواح (15) فرداً من القوات الروسيّة هو إما انعدام في المهنية أو إهمال إجرامي, كي لا نقول أكثر من ذلك.

كما أن الطائرات الإسرائيلية قامت بحركات المناورة هذه في المحيط المباشر لقاعدة حميميم التي تستخدمها الطائرات العسكرية والمدنية بما في ذلك طائرات الركاب المدنية, والكلام ما يزال للناطق باسم وزارة الدفاع الروسية (إيغوركوناشينكوف) الذي شدّد على أن التصرّفات الرعناء من قبل الطيارين الاسرائيليين كانت يمكن أن تعرّض للخطر سلامة أية طائرة سواءً كانت طائرة ركاب أو طائرة نقل كان يمكن أن يُصادف وجودها في المنطقة في ذلك الوقت.

ما لم يقله الناطق الرسمي صراحة وإن كان قد ألمح إليه تلميحاً هو أن الاسرائيليين ربما يكونون قد خدعوا الروس عمداً ونصبوا لهم فخاً مُحكماً للايقاع بينهم وبين السوريين من خلال تلك الحادثة.

ما يدعم هذه الفرضية هو أن الطائرات الاسرائيلية المقاتلة قد عرّضت سلامة ركاب طائرتين مدنيتين من قبل في كل من مطار بيروت ودمشق في شهر كانون الأول من عام (2018) حيث قامت بشنّ غاراتها تزامناً مع استعداد الطائرتين للهبوط في المطار وذلك لإعاقة عمل الدفاعات الجوية السورية الحريصة على حياة الركاب وهذا ما حدّ من تحرّكها لصدّ الهجوم خشية أن يتم استهداف إحدى الطائرتين المدنيتين عن طريق الخطأ.

في ذلك الوقت, تقدّم لبنان بشكوى رسمية لمجلس الأمن حول هذا الانتهاك الخطير.

لكن وفي غياب أيّ تحرك جدّي من قبل ما يسمّى المجتمع الدولي أو مجلس الأمن, يستمر نظام نتنياهو بانتهاج نفس سياسة العدوان التي دأب عليها جميع قادة هذا الكيان العنصري منذ تأسيسه وحتى الآن.

ففي ليلة الخميس الواقع في الثالث عشر من شهر شباط, تعرّضت مدينة دمشق لإطلاق صواريخ معادية انطلقت من أجواء الجولان السوري الذي تحتله اسرائيل. الدفاعات الجوية السورية أسقطت معظم الصواريخ المعادية, لكن المجتمع الدولي المثقل بالهموم “الإنسانية” لم يحرّك ساكناً, كما لو كان هذا أمراً عادياً.

لكن من قال أن العدوان أمر عادي؟  تكرار العدوان لا يجعل منه ولا يجب أن يجعل منه أمراً عادياً أو مألوفاً أو مقبولاً.

متى يتوقف المجتمع الدولي وفق مبدأ قوة القانون ويكفّ عن دعم قانون القوة؟؟..

هذا رابط الفيديو التوضيحي لحادثة إسقاط طائرة (إليوشن – 20) كما نشرته وكالة (سبوتنيك):

حيث تظهر بيانات الرادار لنظام الدفاع الجوي الروسي مواقع أربع طائرات إسرائيلية من طراز F-16 (صفراء)  وصاروخ الدفاع الجوي السوري (أحمر) ، وطائرة إيل -20 الروسية (الأخضر) وقت سقوطها في (17) سبتمبر  2018. (تصوير وزارة الدفاع الروسية).

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*