وثائق جديدة تكشف الدور الخفي لبريطانيا في فبركة خرافة “الثورة السورية”

نشر موقع ميدل إيست آي (Middle East Eye) مؤخراً صوراً عن وثائق مُسرّبة تكشف العديد من الأسرار حول الدور الخفي الذي لعبته المملكة المتحدة (بريطانيا) في فبركة ما سمّي بـ”الثورة السورية” وفي تنظيم وتمويل وإدارة حملة البروباغاندا العدائية ضد سورية، وفي الترويج لهذه الخرافة من خلال تجنيد شبكة من “الصحفيين المواطنين” بعضهم يعلم وبعضهم الآخر لا يعلم لحساب من يعمل أو أن توجيهه يتم من لندن.

في التاسع عشر من شهر شباط الماضي، نشر (إيان كوبين) في موقع ميدل أيست أي (Middle East Eye) تقريراً مطوّلاً أعدّه بالتعاون مع (أليس روس) قال فيه أنه حصل على تسريبات تفيد بأن المملكة المتحدة (بريطانيا) قد تعاقدت مع عدد من الشركات الوسيطة لتجنيد شبكة من المواطنين السوريين للعمل كصحفيين للترويج لما سمّي حينها بـ “المعارضة المعتدلة”.

وقد أوكلت هذا الأمر لشركات خاصة وسيطة كي لا يظهر دورها للعلن وكي يمكنها التنصّل من أي صِلة مباشرة لها في هذه “المبادرة”.

ويشير كوبين إلى أن هذه “المبادرة” قد أطلقت منذ العام (2012) وازداد زخمها في العام التالي بُعيد رفض البرلمان البريطاني إعطاء التفويض للحكومة البريطانية بالعمل العسكري المباشر ضد سورية عام (2013).

وقد قامت هذه الشركات المتعاقدة مع الحكومة البريطانية بتأسيس مكاتب لها في اسطنبول وعمّان حيث كانوا يقومون بتجنيد مهاجرين أو مغتربين سوريين ويتولّى هؤلاء بدورهم مهمّة تجنيد مواطنين سوريين آخرين للعمل كصحفيين أو مراسلين من داخل سورية.

أما التمويل فقد كان يأتي من كلّ من بريطانيا والولايات المتحدة وكندا.

كانت مُهمّة هؤلاء “الصحفيين” إنتاج فيديوهات ترويجية أو برامج إذاعية أو النشاط على مواقع التواصل الاجتماعي أو إنتاج البوسترات والمجلات بل وحتى بعض الأعمال الدرامية الكوميدية للأطفال لقاء مبالغ مالية مُعيّنة وذلك بهدف التأثير على الرأي العام داخل وخارج سورية من وراء الستار وكانت هذه المواد تجد طريقها على الفور إلى محطات إعلامية مثل (سكاي نيوز) و (بي بي سي العربية) و (الجزيرة) و (العربية).

أوكلت مُهمّة إعداد المُخططات التنفيذية إلى “عالم” أنثروبولوجيا كان يعمل في مجال مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية البريطانية في لندن.

وظهرت إلى العلن للمرة الأولى عام (2014) على نطاق ضيّق للغاية حيث تم توزيعها على عدد من شركات الاتصالات المتنافسة للفوز بالعقود الثلاثة المطروحة في استدراج العروض لهذا الغرض حينها.

وبالرغم من كل المبررات التي سيقت كان من الواضح أن الهدف الأساس من وراء هذه المبادرة كان خدمة المصالح الاستراتيجية البريطانية في سورية والشرق الأوسط عموماً. فالصحفيون الذين يتمّ تجنيدهم لا يحقّ لهم التحدّث إلى الجمهور أو إلى وسائل الاعلام دون إذن من حكومة جلالة الملكة (أي الحكومة البريطانية).

ويشير (كوبين) إلى أن الأشخاص الذين تحدث معهم وكانوا على اطلاع على هذا المشروع أخبروه أن عدد الشركات المشاركة في استدراج العروض هذا كان تسع شركات، من بينها شركات خاصة أسسها دبلوماسيون سابقون وضبّاط استخبارات سابقون أو ضبّاط سابقون.

وبالرغم من أن العقود قد مُنحت من قِبل وزارة الخارجية البريطانية إلا أن وزارة الدفاع هي التي أشرفت على إدارة العمل من خلال ضبّاط في الاستخبارات العسكرية.

وبموجب هذه العقود كان بمقدور الصحفيين السوريين المجنّدين التحدث إلى الاعلام البريطاني بصفتهم “ناطقين” باسم المعارضة المُعتدلة لكن فقط بعد الحصول على إذن أو ترخيص بذلك من القنصلية البريطانية في اسطنبول.

ويبدو، وفق (كوبين)، أن الحكومة البريطانية قد لجأت إلى هذه “المبادرة الدعائية” كوسيلة للتواجد في سورية بطريقة أو بأخرى إلى أن تمكّنت من الانخراط بالحرب عسكرياً.

فبالتزامن تقريباً مع هذه المبادرة كانت الحكومة البريطانية “تُعير” القوات الجوية الأمريكية والفرنسية والكندية عدداً من طيّاريها ليتمكنوا من القيام بمهمّات قتالية ضدّ أهداف سوريّة بالرغم من أن البرلمان البريطاني كان قد صوّت ضد أعمال كهذه.

لكن يبدو أن حماس الحكومة البريطانية بدأ يفتر عندما بات واضحا أن الرئيس الأسد وحلفاؤه كانوا يكسبون المعركة وهكذا بدأ تمويل هذه “المبادرة” يجفّ وينضب تدريجياً.

الصحفي المُخضرم (تيري ميسان) تناول الموضوع في مقال مطوّل نُشر على موقع (فولتير نت) مُستنداً في بعض جوانبه على ما كشفه (كوبين)، مبيّناً أن بعض الصحفيين الأجانب الذين تصرّفوا بحسن نيّة، قد خُدعوا عندما أخذهم “الثوار” (أي من قدّموا أنفسهم لهم على أنهم من “الثورة السورية” وكانوا في الواقع من المخابرات التركية أو تلك التابعة للناتو) إلى جبل الزاوية لتصوير تجمّعات جماهيرية لما يسمّى الجيش الحر هناك، ما جعلهم يظنّون أن ما يجري هو بالفعل “انتفاضة شعبية”.

لكن (دانيال إيريارت) من صحيفة “أي بي سي” الاسبانية لاحظ على الفور أن هؤلاء ليسوا سوريين بل مقاتلون ليبيون يعملون تحت أمرة (عبد الحكيم بلحاج).

(مهدي الحاراتي) أحد أبرز قادتهم اعترض على مثل هذه التغطية الاعلامية من قبل وسائل الاعلام الغربية.

لكن الاعلام الغربي رفض الاعتراف بوجود تدليس أو تلاعب ومن المؤسف أن لا يعترف الصحفيون بأخطائهم حتى عندما يبيّنها لهم زميل لهم في المهنة.

مثل هذا السلوك هو أكبر هدية يقدمونها لسادة (البروباغاندا).

ويشير (تيري ميسان) إلى أن وحدة الأبحاث والإعلام والاتصالات البريطانية كانت تعتمد “عالم الانثروبولوجيا” هذا كمرجع لها في الاشراف على عملية التلاعب الاعلامي وقد أوكلت مهام التنفيذ إلى عدد من المُتعاقدين الثانويين ومن بينهم ضابط سابق في جهاز إم أي 6 (المخابرات البريطانية الخارجية) هو الكولونيل (بول تيليي).

عبارة “ضابط سابق” هامّة هنا لأن بمقدوره أن ينفي أي صلة للحكومة بعمله.

ويشير (ميسان) إلى أن الصحفيين السوريين الذين قبلوا أن يتعاونوا مع البريطانيين في هذه المبادرة كان يتوجّب عليهم أن يوقعوا خطياً على تعهّد بعدم الافصاح عن هوياتهم وبعدم إفشاء أية معلومات حول ارتباطاتهم بالشركة المتعاقدة.

أنيطت قيادة العملية لضابط استخبارات بريطاني هو (جوناثان آلن) الذي أصبح فيما بعد الرجل الثاني في بعثة بريطانيا إلى الأمم المتحدة.

ومن بين الشركات القيادية في العملية كانت شركة (انكوسترات) للاتصالات الابداعية والاستراتيجيات.

وقد تم تقديمها للرأي العام على أنها مستقلّة وأن لا علاقة لها بالسلطات البريطانية.

يتفق (ميسان) مع (كوبين) في أن برنامج الحكومة البريطانية كان يهدف للتأثير على الرأي العام وعلى التوجّهات داخل سورية.

لكنه يرى أن موقع “ميدل إيست أي” كان ينبغي أن يُدرك أن بريطانيا لم تكن ترى في “المناهضين المُعتدلين للإمبريالية” من أمثال الاخوان المسلمين أعداء لها بل “حلفاء” وأن عداءها كان موجّهاً بشكل رئيسي لِمن تعتبرهم مناهضين أشدّاء للإمبريالية وهم (القوميين والبعثيين).

ويعتقد (ميسان) أن هناك خلاف في الهدف النهائي بين بريطانيا والولايات المتحدة. فبريطانيا، برأيه، كانت تريد من “الربيع العربي” أن يُحدث تغييراً في المنطقة على نمط التغيير الذي أحدثه لورانس العرب في “الثورة العربية الكبرى في بدايات القرن العشرين” على أن يلعب الاخوان المُسلمون الدور الذي أنيط حينها للوهابيين.

لذا نشب خِلاف في الرأي بينهما عندما حاولت واشنطن إنشاء كيان “سنيستان” بالتعاون مع داعش وإنشاء كيان آخر هو “كردستان الحرة” بالتعاون مع حزب العمّال الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني العراقي.

البريطانيون، وفق (ميسان)، اعتبروا أن هذه لم تعد حربهم وأن لهم طريقاً آخر.. فانسحبوا بهدوء.

عالم الانثروبولوجيا الذي أشرف على هذا البرنامج تحدّث أيضاً عن ضرورة إنشاء وحدات عاملة (هياكل خدمية) تعمل على الأرض، ومن هنا تم إحداث ما سُمّي  حينها “الشرطة الحرّة” وجماعة (الخوذ البيضاء) التي أسسها ضابط الاستخبارات البريطاني (جيمس لو ميزورييه) والتي كانت مُهمّة هذه الوسائل الاعلامية الترويج لها على نطاق واسع.

  • المصادر : موقع ميدل إيست أي (Middle East Eye) وموقع فولتير نت (Voltaire.net)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*