سورية القويّة، متفوّقة رُغم التدمير

غالباً ما ارتبطت مطالب التغيير عند مُريديه في الدولة السورية وعلى كامل مجال الطيف السياسي بسلوك نقدي غير مسؤول بالمجمل، وعمل تنظيري يمتاز بأنه غير مُكتمل من حيث البنى الفكرية ومفتقد للركائز ولمنهجيات التنفيذ والخطط. وغالباً ما كان مطالبو التغيير يعتمدون في تشبيهاتهم اللامسؤولة على أشكال براقة للسياسات الغربية، أو نماذج دينية فاشية لا تقوى على الحياة إلّا بفناء الاخرين.

عندما بدأت الآلة الاعلامية بتكوين ثورات الربيع العربي، ركزت على اخفاء الاقتصادات الوطنية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية المنطقية المنهجية والتركيز عوضاً عنه على الاقتصادات “المتحضّرة” المرتبطة بصندوق النقد الدولي وكميات الديون واستهلاك الثروات وإغناء الاغنياء، فأصبح المواطن العربي وتحت تأثير الدعاية الموجّهة مُعجباً بشكل خيالي بالنماذج المجاورة سواءً النموذج التركي الاخواني واقتصاده “النامي” أو النموذج السعودي ذو الاقتصاد المرتكز في أيدي أمرائها، أو في الاقتصادات الغربية المعروفة.

عندما بدأت اخبار الوباء بالانتشار وبأن الـ (covid-19) يحصد الأرواح في الصين، لم نكن نظن بأن هذه الدول الاقليمية أو الغربية التي صدعت رؤوسنا بتقدّمها وجودتها وقيمتها، ستكون فاشلة إلى هذا الحد، حيث شاهدنا ونشاهد أن هناك تخبطاً مثيراً للشفقة في اجراءات الطبقات السياسية “الحرة” و”المختصة” و”المنتخبة” و”الديمقراطية” في وضع الاجراءات المناسبة سواءً قبل أن يصلهم المرض أو بعد انتشاره.

قدّم أردوغان وحسب الوكالات التركية ارتجالاً رئاسياً جديداً في دولته المتبعثرة عندما رفض استقالة وزير داخليته ” سليمان صويلو ” بعدما صعبت عليه مشقات تحمّل أعباء الغضب التركي نتيجة قرار الحجر الجزئي، وعلينا تخيّل السعادة الشعبية في تركيا تجاه الروح النوعية الأردوغانية وأساليب هذا الرجل في قيادة الازمات، وعن المؤسساتية الشديدة التي تقاد فيها تركيا اليوم، والتي تهتم في محاربة الجوار بدلاً من أن تلتفت للفوضى العميقة المجتمعية.

رفضت الشرائح اليهودية المتطرفة في الكيان الصهيوني حسب ما تحدث به موقع (والاه) العبري، الانصياع لطلبات قادة الكيان في ضرورة إيقاف احياء الشعائر الدينية العامة، ليضاف ذلك إلى قائمة طويلة من الرفض والرفض المضاد الحاصل في بيت العنكبوت الصهيوني والذي مازال عاجزاً عن تشكيل قيادة تسيّر أموره منذ عام كامل.

تتحدث العديد من التقارير الاخبارية الغربية عن عجز القطاع الطبي في بريطانيا الناتج عن السياسات الاقتصادية الآنيّة المبنية على الربح وفقط الربح، على أن يلبّي بالمرونة اللازمة الحاجات المطلوبة لمواجهة الوباء.

ربما عرف رئيس الوزراء البريطاني ذلك منذ البداية عندما تحدث مراراً على أن المرض ونتائجه الكارثية شيء محتوم.

نشرت صحيفة (wall street journals) مقالاً عن أمريكا (حيث مجلس الامن ومجلس حقوق الانسان ومقر قائد شرطة العالم..) تتحدث فيه عن أن المرضى المصابين بفايروس الكورونا من سجن في لويزيانا، يتم نقلهم وعزلهم في معسكرات حيث لا توجد الرعاية الصحية ولا المشافي ولا حقوق الانسان، نعم إنها معسكرات لموت الأمريكيين وهي أكثر ما يمكن للإدارة الأمريكية “حامية حقوق الانسان” أن تقدّمه إلى مواطنيها وكل هذا دليل على عجز السياسات الأمريكية وهزلية قطاعاتها الصحية وظهور جوانب الضعف المتعددة في اقتصادها.

على النقيض من كل ما سبق وبحديث بسيط عن الدولة التي عانت وتعاني من إرهاب الأتراك والصهاينة والأمريكيين والبريطانيين، فلقد قامت الحكومة السورية قبل الجميع ومنذ أوائل شهر آذار بتشكيل فريق حكومي مُختص بوضع كافة الاجراءات المطلوبة لمواجهة المخاطر المرتبطة بالمرض، وساهمت القرارات الواقعية جداً والتي توضح فهماً عميقاً للمقدّرات الموجودة وللظروف المجتمعية بتحقيق فعّالية مريحة جداً في الوقاية من المرض، يعكس ذلك بنية مؤسسات فعّالة ونوعية تعمل بشكل منهجي رغم ظروف الحرب الطاحنة وسياسات الحِصار المفروضة.

لقد امتاز الاقتصاد السوري الحديث بأنه اقتصاد متنوّع غني، وسياساته بعيدة الأمد وتستهدف الشرائح الأكبر من الشعب، ومثال ذلك في المشافي والجامعات والمدارس وشبكات المواصلات وغيرها، لذلك فلقد استطاع ورغم الحرب الطاحنة أن ينجح فيما عجزت عنه الدول المتقدمة وليثبت الزور الشديد والبُهتان في كافة الدعايات التي استهدفت الدولة السورية ومنذ عشرات السنين وتلك التي رافقت أحداث الربيع العربي المُدمّر، وإن عجز الدول التي تستمر في عدائها لسورية من أجل موضوع خاص بالحقوق والفعالية السياسية، مفارقة نادرة وخاصة ومفيدة جداً للأجيال الحالية من السوريين التي عاشت وكانت أداةً في قصة دموية جداً تم فيها استثمار كافة وسائل الشر المُتاحة من أجل تدمير الوطن والسيطرة عليه.

يمكن القول في النهاية بأن العمل الوحيد الصحيح لكل انسان عاقل هو دائماً في أن يبني وطنه لا ان يستمع للغريب مهما كانت المغريات ومهما اختلفت الأزمنة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*