رسالة جندي من جبهات القتال إلى أمه..

أمّي الحنونة الحبيبة لكِ منّي تحيّة مُعطّرة بريح عرق المعارك التي نخوضها كلّ يوم دفاعاً عن وطننا الغالي تحيّة ملؤها عطر دم رفيقي الشهيد الذي سبقني إلى دار الخلود، دمٌ يملأ صدري، فقد أسرعت أحمله حين استشهد علّني أصل به إلى الوحدة الطبّية ولكنه فارق الحياة قبل أن أصلها، كان يتمتم بتمتمة فهمتها تماماً، كان يطلب منّي أن أكتب له رسالة إلى أمه أشرح فيها حالة استشهاده مُقبلاً غير مُدبر، مُكبراً الله على الأعداء الذين اجتمعوا من كلّ حدب وصوب على بلادنا ليحتلوه قطعة قطعة تغذّيهم نار الغلّ والحقد، يريدون قضمها وضمّها إلى تركيا ليؤسسوا تركيا الكبرى في الشمال.

ذات طموح الصهاينة في الجنوب الذين اجتمعوا علينا من أطراف الأرض غازين ليؤسسوا إسرائيل الكبرى بزعمهم فيعملون على غزونا وقضمنا من الجنوب يساندون الاحتلال التركي من الشمال.

حاول رفيقي الشهيد أن يعطيني عنوان أمّه لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن أصل به إلى الطبيب..

آه يا أمّي كم تمنّيت أن أكون بدلاً منه قد تصدّقين أو لا تصدّقين يا أمّي لحظات نسيت معها كلّ حياتي الماضية فلم يكن أمامي من هدف سوى أن أتقدّم مع رفاقي إلى الأمام كلّ لحظة نُحرر المزيد من البلدات والقرى، نُحرر كلّ شبر نصل إليه لنتجاوزه إلى شبر آخر، يحدونا أمل كبير بالنصر المؤكد المؤزّر، فنحن يا أمّي ندافع عن أمّنا الكبرى، ندافع عن بلادنا السوريّة المُقدّسة.

أمّي الحبيبة كنت أعتقد للحظات مضت أنه لا يعلو عليك حبّ ولا قداسة تفوق قداسة الأمّ لكني حين رأيت رفاقي يُقدمون على الموت في ساحات الوغى إقدامهم على شرب الماء لدى العطش الشديد علمت حينها يا أمّي أن سورية وطني حبيبتي هي الوحيدة في حياتي أغلى منك وأنني ورفاقي إذا لم نُضحِّ في سبيلها لن تكوني.

كنت ورفاقي كلّهم على سوية من هذا الحب يا أمّي وعلمت كذلك أن كل أمهات زملائي أمّ لي كذلك لأننا جميعاً ندافع عن أمّنا الكبرى وعن أرضنا وعرضنا بقوّة حطمّنا معها أطماع تركيا في الشمال وكسرنا شوكتها وسيأتي الوقت الذي نتفرّغ فيه لأطماع الصهاينة الإسرائيليين في الجنوب.

أمّي الغالية لم يعطِ الموت فرصة لرفيقي الشهيد أن يعطيني عنوان أمّه لأكتب لها لكني تذكرت أن عنوانها ذات عنواني من الأم الكبرى سورية..

إلى أمّنا الصُغرى لكِ محبتي وشوقي يا أمّي قبل نيل شرف الشهادة وبعدها. ولدكِ المحُارب في الشمال …..

  • كتبه الدكتور (علي الشعيبي) من دمشق أرض التضحيات والفداء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*