انقلابيـون في ظلّ الكورونـا

في الوقت الذي تتسمّر فيه أنظار العالم على أرقام تطوّرات انتشار فيروس الكورونا، تمّت إعادة تنظيم عميقة للسلطة التنفيذية مُنحت فيها الأولوية لكبار المسؤولين في الصحّة على حساب السياسة العامة.

لكن في الظلّ، كان المصرفيون والعسكريون يُهيّجون مشاعر الناس على أمل أن يمكّنهم ذلك من مصادرة السلطة والاستيلاء عليها لخدمة مصالحهم.

غلبة المنطق الإداري على منطق السياسة: قرّرت العديد من الحكومات في البلدان الصناعيّة مواجهة انتشار وباء (كوفيد-19) من خلال تقييد حركة مواطنيها.

لكن هذه السياسة لم تكن مُستمدّة من منطق الطبابة أو ممّا تمليه التعليمات الطبية, التي لم تمارسْ قطّ عزلَ الأصحّاءِ وتقييد حركتهم, بل جاءت كنوع من “الادارة الحسنة” للموارد والإمكانيات الطبيّة بهدف منع وصول أعداد ضخمة من المُصابين إلى المستشفيات حتى لا تحدث اختناقات وكي لا تغصّ المشافي بأعداد كبيرة من المُصابين, دفعة واحدة.

قلّة من الدول الصناعية, من بينها السويد, رفضت هذه المُقاربة الإدارية للتصدّي للوباء.

واختار قادتها مُقاربة طبيّة عوضاً عن ذلك, وبالتالي لم يفرضوا على شعوبهم العزل العام (ولم يضعوا قيوداً قاسية على حركة المواطنين).

وبهذا تكون العِبرة الأولى التي يمكن أن نأخذها في الفترة الحالية، هي أن المنطق الإداري يطغى الآن على الخبرة الطبية, في الدول المتقدّمة.

ومع أني لست خبيراً في الطبابة, لكن ليس لدي أدنى شكّ في أن آلاف السنين من الخبرة الطبية، يمكن أن تكون أكثر فعّالية من الوصفات البيروقراطية المتبعة حالياً ضد المرض.

علاوة على ذلك، إذا واصلنا مراقبة الظاهرة الجارية الآن، فإننا نلاحظ أن السويد تسجّل (10) وفيات لكل مليون نسمة، بينما تبكي إيطاليا (166) وفاة لكل مليون نسمة.

بالطبع هذه ليست سوى بداية الوباء، وهذان البلدان مُختلفان للغاية.

ومع ذلك، من المرجّح أن تواجه إيطاليا موجة عدوى ثانية ثمّ ثالثة، بينما تكون السويد قد أنجزت تحصّنها الجماعي وحماية نفسها.

الكلمة الآن لكبار مسؤولي الصحّة ولم تعد بيد ممثلي الشعب المُنتخبين.

العزل العام الشامل لحركة المواد ورأس المال لا تعطّل الاقتصاد وحسب بل تسبّب بعرقلة نظم الحوكمة وحسن الإدارة.

في كلّ مكان تقريباً, نرى أن الكلمة الآن لم تعد للسياسيين بل باتت بيد كبار مسوؤلي الصحّة, حيث تتلاشى آراؤهم أمام نصائح هؤلاء, الذين يفترض فيهم أن يكونوا أكثر فعّالية.

وهذا منطقي لأن قرار العزل السكاني (تقييد حركة الناس) هو قرار إداري محض.

لقد قبلنا بشكل جماعي أن نناضل من أجل مستشفياتنا لنمنع المرض (من الوصول إليها لتفادي اكتظاظها بأعداد كبيرة من المُصابين) لا لنحاربه ونتغلّب عليه.

من الواضح للعيان, أننا, وعلى عكس المظاهر الخارجية, لم نصبح أكثر كفاءة, مع الأسف.

فالدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي, على سبيل المثال, لم تتمكن من توفير المُعدّات الطبيّة والأدوية اللازمة في الوقت المناسب بسبب القوانين المعمول بها حالياً.

فبسبب العولمة الاقتصادية لم تعد هناك سوى جهة واحدة تقوم بتصنيع أجهزة التنفس الصناعي وهذه الجهة المُصنّعة صينية.

تستغرق إجراءات المناقصة عدّة أشهر قبل أن تُصبح المواد مُتاحة أو متوفرة، والسياسيون لم يعودوا في مواقعهم لتجاوز هذه الإجراءات الروتينية.

الولايات المتحدة فقط كانت قادرة على حلّ هذه المشكلة على الفور من خلال الطلب إلى الشركات المُصنّعة توريد احتياجاتها على الفور.

فرنسا التي شهدت أثناء الحرب العالمية الثانية دكتاتورية إدارية عُرفت باسم “الدولة الفرنسية” مع فيليب بيتان، تم الاستيلاء عليها من قِبل كِبار الموظفين وقد تمّ ذلك الاستحواذ تدريجياً على مدى العقود الثلاثة الماضية.

وتم الحديث حينها عن حُكم خريجيّ مدرسة الادارة الوطنية, أو ما يُعرف باسم (الإينارشي) التي حرمت السياسيين من الدراية الكافية لإدارة الصلاحيات المحليّة والوطنية الممنوحة لهم.

وهكذا بتنا نشهد التضاؤل المعرفي لدى المسؤولين المُنتخبين من قِبل الشعب فلم يعودوا يعرفون سوى ما يعرفه كبار الموظفين , إن لم يكن أقلّ, بينما لديهم كمّ هائل من المشاكل التي يتوجّب عليهم إيجاد الحلول لها ولا يجدون إلى ذلك سبيلاً.

ومثلما وجد كِبار مسؤولي الصحّة أنفسهم فجأة في موقع المسؤولية وفي أيديهم سلطات ليست من شأنهم في الأحوال العادية, يتطلّع المصرفيون والعسكريون للحصول على نفس القدر من الصلاحيات والتراتبية, على حساب السياسيين.

المصرفيون يكمنون في  الظلّ: نشر (غوردون براون) الذي شغل فيما مضى منصب وزيرٍ للخزانة (المالية) ثم أصبح رئيساً للوزراء في بريطانيا, عمود رأي في صحيفة (فاينانشال تايمز)، دافع فيه عن فكرة استخدام الخوف من (كوفيد-19) من أجل تحقيق ما فشل في تحقيقه خلال الأزمة المالية لعام (2008).

يعترف براون بمقالة الرأي هذه أنه فشل حينها في إقامة حكومة مالية عالمية ولم يكن أمامه سوى الاكتفاء بتبادل المشاورات مع مجموعة العشرين.

ويرى بالتالي أنه بات من الممكن الآن إقامة حكومة صحّية عالمية ثم يُصار إلى اختيار الدول أو القوى التي يُمكن ربطها بالأعضاء الدائمين لمجلس الأمن.

(أي يتم ترشيح مُمثل عن هذه الحكومة الصحيّة العالمية المقترحة ليمنح عضوية دائمة في مجلس الأمن).

ما من سبب يدعو للاعتقاد بأن هذه الحكومة العالمية ستكون أفضل حالاً أو أكثر نجاحاً من الحكومات الوطنية. الشيء الوحيد المؤكد، هو أنها ستفلت من أيّ شكل من أشكال الرقابة الديمقراطية عليها.

و من غير المرجّح أن يكون لهذا المشروع فرصة أفضل للنجاح أكثر ممّا كان للحكومة الماليّة العالميّة.

كما أن براون كان من أشدّ المؤيدين لبقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي. وفشل في هذا المسعى أيضاً.

الدولة العميقة تكمن بالعتمة وتتربّص : تاريخياً، وفي جميع الأزمات، غالباً ما كان يتم اللجوء إلى ذريعة “الحالة الطارئة” لتغيير السلطة دون أن يكون هناك أي وقت للناس للتفكير بالأمر. وغالباً ما كانت هذه الحيلة تنجح.

في الثلاثين من شهر كانون الثاني (يناير) 2020, أعلنت منظمة الصحّة العالمية حالة الطوارئ الصحية على المستوى الدولي.

وفي اليوم التالي, وقع وزير الدفاع الأمريكي (مارك إسبر) سرّاً، على “أمر إنذار أو تحذير” ينصّ على أنه ينبغي على قيادة الشمال ـ (NorthCom) أن تكون على أهبّة الاستعداد لاحتمال تنفيذ القواعد الجديدة لـ”استمرارية عمل الحكومة”.

تُصنّف هذه القوانين على أنها فوق سريّة للغاية أي على أعلى درجات السريّة، وهذا يعني أن الاطلاع عليها محصور بقلّة قليلة من الأشخاص الذين يحملون التراخيص الرفيعة الخاصة جداً التي تخوّلهم الوصول إلى جميع الأماكن أو الاطلاع على كافة المعلومات مهما بلغت سريتها ويسمّى هذا النوع من التراخيص (Special Access  Program SAP).

علينا أن نتذكر أن مبدأ “استمرارية الحكومة” يعود إلى بداية الحرب الباردة, حيث تمّت صياغته في ذلك الوقت بهدف حماية الولايات المتحدة في حال نشوب حرب نووية مع الاتحاد السوفييتي وموت أو عجز الرئيس، ونائب الرئيس، ورئيس مجلس النواب.

وبموجب التوجيه الخطي الذي أصدره الرئيس (دوايت أيزنهاو)، تقوم الحكومة العسكرية البديلة بتأمين استمرارية عمل القيادة خلال فترة الحرب إلى أن تتم استعادة الاجراءات الديموقراطية.

لم يقم أحد أبداً من قبل باستدعاء هذه الحكومة البديلة (للقيام بمثل هذه المهام الاستثنائية) أبداً إلا في الحادي عشر من أيلول 11, 2001 وذلك من قبل (ريتشاد كلارك), الذي كان يشغل حينها منصب المنسّق الوطني لمكافحة الإرهاب.

على أيّ حال وحتى لو كانت البلاد تتعرّض لهجوم رهيب, لكن لم يمت حينها لا الرئيس ولا نائب الرئيس, ولا رئيس مجلس النواب, ولم يكن هناك أي شيء يمنعهم من أداء مهامهم, فلماذا تمّ اللجوء إلى هذا الاجراء الذي يبدو أشبه بالانقلاب العسكري.

على أي حال, سرعان ما استعاد الرئيس بوش الابن مقاليد الحكم مساء ذلك اليوم ذاته ولم يقم أحد على الاطلاق بتقديم أي شرح أو توضيح لما حدث خلال الساعات العشر من تعليق سلطته.

يقول (ويليام أركين), أفضل خبير بشؤون البنتاغون في النيوزويك, أن سبع خطط منفصلة قد تمّ إعدادها وهي :

  • إنقاذ وإجلاء موظفي المبنى التنفيذي وتهدف هذه الخطة التي تعرف اختصاراً باسم (RESEM) إلى حماية الرئيس ونائب الرئيس وعائلتيهما.

  • الخطة المُشتركة لعمليات الاجلاء في حالات الطواريء (JEEP) وتهدف لحماية وزير الدفاع والقادة العسكريين الهامين.

  • خطة أطلس لحماية أعضاء الكونغرس وأعضاء المحكمة العليا.

  • خطة المثمّن أو ثماني الأضلاع (Octagon) والتي لا يُعرف عنها شيء.

  • خطة (Freejack) أيضاً غير معروفة.

  • خطة زودياك أو دائرة الأبراج الفلكية (Zodiac) ما تزال مجهولة.

  • ظلّ الغرانيت (Granite Shadow) التي يتم بموجبها نشر الوحدات الخاصة في واشنطن وتحدد هذه الخطة شروط استخدام القوة ووضع الأماكن تحت السلطة العسكرية.

المُفارقة أن خطة ( RESEM ) موضوعة أساساً بهدف حماية الرئيس ونائب الرئيس، لكن لا يمكن تطبيقها إلا في حال موتهما أو عجزهما عن أداء مهام المنصب.

على أيّ حال، يقع تنفيذ هذه الخطط السبع على عاتق القيادة العسكرية لشمال أمريكا التي يتولاها جنرال فذّ لكن اسمه ليس معروفاً كثيراً بين الناس وهو الجنرال (تيرينس أوشوغنيسي).

وعلينا أن نتذكر أنه بموجب قانون الولايات المتحدة, سيُصبح هذا الرجل ديكتاتور الولايات المتحدة فقط بعد وفاة أو عجز أكبر ثلاثة مسؤولين مُنتخبين في الدولة الفيدرالية, لكن في الواقع سبق لسلفه الجنرال (رالف إبرهارت) أن مارس هذا الدور (وإن كان لمدّة وجيزة لم تستغرق سوى بضع ساعات) بالرغم من عدم تحقق هذا الشرط .

يرأس (إبرهارت) الذي يبلغ حالياً حوالي (73) سنة من العمر, الشركات الأمريكية الرئيسية لإلكترونيات الطيران العسكرية المعروفة باسم أفيونيكس (avionics) .

في الثالث عشر من شهر شباط الماضي, أبلغ الجنرال أوشوغنيسي لجنة مجلس الشيوخ للخدمات العسكرية أن قيادة الشمال (NorthCom) تستعدّ لأسوأ الاحتمالات وأنها لهذا السبب تتواصل يومياً مع القيادات المركزية الأمريكية العشر للعالم.

تتمتع (NorthCom) بسلطات، ليس فقط على أراضي الولايات المتحدة، ولكن أيضاً على كندا والمكسيك وجزر البهاما.

وبموجب الاتفاقات الدولية، يمكنها، بمبادرة منها، نشر القوات الأمريكية في هذه البلدان الثلاثة.

في عام (2016)، وقع الرئيس باراك أوباما على الأمر الرئاسي السرّي للغاية رقم (40) والذي يتضمّن التوجيهات الرئاسية بشأن سياسة ضمان الاستمرارية العامة.

كما وقع (كريغ فوغيت)، مدير الوكالة الفدرالية المُكلّفة بإدارة الطوارئ (FEMA)، التوجيه الفيدرالي للاستمرارية رقم 1 قبل يومين من تولّي الرئيس دونالد ترامب منصبه يُحدّد بموجبه بعض التفاصيل الخاصة بالمستويات الدنيا.

لقد فكروا في كل شيء، وهُم على استعداد لمواجهة أسوأ الاحتمالات.

لقد وفر لهم الوباء الدافع للانتقال إلى الفعل. وفجأة، بدأت الأسئلة التي طرحها المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، (تشاو ليجيان) حول احتمال انتشار مُتعمّد للفيروس من قبل الجيوش الأمريكية، تأخذ كل معانيها.

(voltairenet.org)- نشر المقال للمرة الأولى في (21 آذار 2020).

(بقلم تيري ميسان )

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*