كردسـتان بين «الوهـم والحقيقـة» – الجزء (3)

بقلـم الدكتور (علي الشعيبي)

البحث عن الأصول الكرديّة الموغِلة في القِدم أمر يكاد يكون ضرباً من الخيال، أو ضرباً من البحث في المستحيل، حتى الباحثون الأكراد أنفسهم لا يُجمعون على وضع أيديهم على الأصول والجذور ضِمن طبيعة الإحاطة الواسعة، وليس عند الباحثين الجُدد فقط، بل إن الأقدمين منهم أيضاً لم يضعوا أيديهم على واقع الحقيقة في جذور وأصول الأكراد، فهم عندهم من الفرس حيناً، وأحياناً من الكِلدان، وأحياناً من العرب، وأحياناً من القفقاز !!.

وكذلك فإن من الصعب تحديد أماكن تواجدهم منذ القِدم تبعاً لاختلاف أصولهم، أيّ من الصعب تحديد بلاد كردستان.

وقد كان (محمد أمين زكي بيك) – شيخ مؤرخي الأكراد في العصر الحديث – يقول: ” ومن أصعب الأمور أن تضع حدّاً معيّناً لكردستان “.

المصدر السابق ج١/ص٩.

فلا إثنية ثابتة ولا جغرافية ثابتة، ولا تاريخ ثابت مؤكد عن وحدة الدم (الأصل).

ولا اتفاق على لغة واحدة.

فكيف تتشكّل أمّة دون التأكد من أهم مقوّمات الأمّة الواحدة، لا أصل واحد، ولا وحدة الأرض، ولا وحدة اللغة ؟.

ومع ذلك سآخذ بأقوال شيخ مؤرخي الأكراد وهو كردي في العصر الحديث، لأنني وبصراحة “قد لا تُحمد عند الباحث” أتعاطف مع هذا الشعب مُتعدد الإثنيات، مُتعدد اللغات، مُتعدد الأماكن! لأنه يعتقد وحدة الأصل وهو يعاني كثيراً في سبيل مواجهة التحدّي.

فإذا كان تحدّي الطبيعة يدفع الإنسان إلى إظهار منتوج حضاري يتمثل في إقامة السدود، والجسور، والزراعة والصناعة، وغير ذلك من المُنتجات المادية، ومثلها من الإبداع الذهني، فإن ظهور نظرية القوميات كان التحدّي الأكبر أمام مُجتمعات مُتعدّدة، في بلاد مُتعددة لتلمس حالهم والإجابة عن السؤال الأهم : هل نحن أمّة واحدة نعود إلى أصل واحد ونُشكّل قوميّة واحدة ؟ ولكن شدّة الحماس لهذه الفكرة (التحدّي) عند مُتشرّدين مُتناثرين بين العديد من الأمم التي فجأة وجدت نفسها قوميات أوقعهم في الخطأ غير المُتعمّد والمُتعمّد أحياناً !.

من هنا أحببت أن أبدأ معهم، وكأنني واحد منهم، وآخذ بأقوال مؤرّخيهم أولاً ثم أعود إلى بقيّة المؤرّخين الآخرين الذين يبحثون في الموضوع، وأبيّن طبيعة الدراسات الاثنوغرافيّة، وأسلّط الضوء على كردستان الحقيقية.

وإذا كان الشعب الكردي مُتناثراً على مساحات واسعة من الهند، وأفغانستان، وبلوجستان، وتركيا، ودول الاتحاد السوفييتي السابق، وإيران، والعراق، والمغرب، وسورية ! كما يقولون هُم على لسان باحثيهم، فإن هذا لا يسمح للمُتعصّبين من دُعاة القوميّة الكرديّة بالقول إن هذه البلاد أو جزءاً من كلّ واحدة منها تُشكّل كردستان !!.

( يُتبـــع فتابعونا….. )

الدكتور (علي الشعيبي) – دمشق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*