كردسـتان بين «الوهـم والحقيقـة» – الجزء (18)

اليوم نتحدث عن تداخل الكرد مع العرب. عاش العرب والكرد منذ القدم، حتى من قبل الاسلام متجاورين متناسبين اختلطت دماؤهم مع بعضها، ودخلت كثير من العائلات العربية بالعشائر الكردية وشاخت فيها، كما دخلت كثير من العائلات الكردية بالعشائر العربية وشاخت فيها مئات السنين.

وسبب ذلك طيب العنصر الكردي وإخلاصه، وجدّيته. ولابد من التأكيد على المرأة الكردية من حيث طيبها، وحسن تربيتها لأولادها وإخلاصها لحياتها الزوجية، وهذا ما جعل كثيراً من الخلفاء والملوك العرب يُحبّون التقرّب من الكرد ويُحبّون مصاهرتهم.

منذ القِدم وقبل الاسلام كذلك حين كان بنو ربيعة والكرد متجاورين في الجزيرة الفراتية العليا. وكان أشهر الخلفاء الذين صاهروا الكرد آخر خليفة أموي مروان بن محمد وقد تزوّج بامرأتين كرديتين.

وحين جاء العباسيون كان أبو جعفر المنصور أقوى خليفة عباسي قد تزوّج امرأة من الكرد وكنّاها أم جعفر كزوجته العربية الأولى وكان يمدحها بحسن تربيتها لأولادها.

وعلى مرّ التاريخ قام هؤلاء العرب من أبناء الكرديات بالامتزاج مع أخوالهم الكرد، وقام أخوالهم بمساندتهم في كل شيء، وهذا ما أشار إليه الشاعر الكردي الكبير (عبدالله كوراني) باختلاط الدم الكردي بالدم العربي.

وإذا تتبعنا كتاب (تاريخ الحكومات والامارات، مصدر سابق/٣٦٢) فإننا نراه يقرّ أن أغلب الامارات الكردية قام بها عرب متكرّدون على أطراف الجزيرة السورية العليا كإمارة الحمدانيين في الشمال والشمال الشرقي وعلى أطراف بحيرة (وان) أو (فان).

ويجب ألا ننسى أن أم تغلب الزوجة الكبرى لأبي تغلب الحمداني كانت كردية وكانت تعطف على سيف الدولة وهي التي أقنعت أبا تغلب بمدّه بالرجال والمال ليتجه إلى حلب والشام حيث أسس إمارته.

وفي تاريخ “شرفنامه” جاء أن نسب الامارات يرجع الى الأمويين، وإلى خالد بن الوليد (المصدر السابق ص/٣٦٣) كما نشأت إمارات كردية على يد أمراء فرس في شمال غرب العراق مثل إمارة صاصون وإمارة السويدية التي يعود امراؤها الى أحفاد البرامكة، وكذلك إمارة اليازوكيين الايرانية الاصل.

وفي شمال غرب العراق نشأت إمارات” خيزات، شيروان وبدليس” وكل امرائها المؤسسين من أصول عربية. وكذلك إمارة مرديس فإن امراؤها المؤسسين من أصول عباسية وكذلك إمارة جشكزك.

بإقرار “شرفنامه” فإنها عربية الأصول. وأما إمارة سليماني أو سليفاني فإن مؤسسيها يعودون الى أحفاد مروان بن محمد آخر خليفة أموي كما مرّ بنا.

من جانب آخر فإن كثيراً من العرب ممّن كانوا يثورون على الخلفاء، أو يخالفونهم العقيدة كانوا يفرّون إلى جبال الكرد في أقصى الشمال والشمال الشرقي كما يقول الشاعر السوري (خير الدين الزركلي) أن إمارة زركل أو زراكي وأن المؤرخين الكرد، يقولون أن مؤسس هذه الامارة، هو الشيخ حسن الذي قدم من سورية إلى ماردين ويذكر الزركلي أنهم عرب خوارج من فرقة الأزارقة هربوا الى بلاد الكرد، فتكرّدوا.

وفي (دائرة المعارف الاسلامية ج/١) حديث عن امارة كلس ويقول “شرفنامه” أن أصل الأسر الثلاث الذين أسسوا هذه الامارة ينحدرون من أصل عباسي.

ولننظر كيف يختلط التاريخ ويقع المؤرخون المتعصّبون بالخطأ.

هنا حديث عن كثير من الأكراد في بلاد الشام، فقد جاء في المصدر السابق (ص/٣٧٦) حديث عن جد من الأسر الثلاث الذين أسسوا إمارة كلس أنه انحدر إلى بلاد الشام بخدمة الأمراء الأيوبيين، فأقطعه الأمير الايوبي منطقة القصير، وأسند إليه لقب أمير أمراء أكراد الشام وحلب.

ثم جاء والي حلب التركي (قراجه احمد باشا) فقبض على أميرهم قاسم بك وقتله  وأرسل ابنه جانبولاد إلى استانبول فدرس مع أبناء الأمراء وحين عاد الى الشام آل إليه منصب أمير أمراء الكرد بحلب والشام، وظلّ أولاده وأحفاده يتوارثون الامارة الى عهد السلطان احمد العثماني، فقتل بعد أن عصى حفيده الامير علي على العثمانيين في حلب سنة (١٠٠٣) هجريه.

وفي سنة١٦٣٠م أتيح لـ (سعيد بك جنبلاط زاده) مع ابنه رباح الذهاب الى بيروت والالتحاق بأسرة المعنيين أمراء لبنان لصِلات قديمة بين الأسرتين، فأقبل عليه رجال لبنان، ودعوه إلى الاقامة في الجبل، فأقام في مزرعة الشوف.

(انظر كتاب الأعيان في جبل لبنان للشيخ طنوس الشدياق، طبع بيروت ١٨٠٩م) ويجب ألا ننسى أنهم من أصول عباسية.

وفي دائرة المعارف الاسلامية حديث عن أسرة شميدينان مؤسس إمارة وأنه أنشأ إمارة (ستوتي) وأنه ينحدر من سلالة العباسيين، وقد أنشأ إمارته في شميدينان ومكري وأنه قُضي عليها عام (١٨٨٣)م.

وكذلك ظهرت إمارات أخرى من نسل العباسيين، مثل إمارة البادينان شمال كردستان العراق.

يلاحظ المتتبع أن تلك الامارات كانت مُجرّد حُكم قبلي.

هناك تفاصيل كثيرة تذهب كلّها إلى شدّة الإخاء الكردي العربي عبر التاريخ المشترك بين العرب والكرد.

( يُتبـــع فتابعونا….. )

  • كتبه الدكتور (علي الشعيبي) – دمشق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*